حين تُقلقك معرفتك.
2026 ,06 أيار
دعاء مأمون :صوت العرب – الاردن.
وصلني اعتراض من قارئ. يقول إن ثمة تناقضًا بين فكرتين: أنا أقول إن التسمية تُنتج الوعي والوعي يُنتج الاعتراض، لكن حكمة قديمة تقول إن كثرة العلم تُخمد الاعتراض لا تُذكيه. أين الحقيقة؟
لن أقول إن القارئ مخطئ. الإحساس بالتوتر بين الفكرتين حقيقي. لكنني أظن أن هذا التوتر ينشأ من مكان محدد: أننا نستخدم كلمة "معرفة" لنصف شيئين لا يشتركان في شيء تقريبًا سوى الاسم. واللغة حين تستخدم كلمة واحدة لشيئين مختلفين لا تُسهّل الفهم بل تصنع وهمًا به. وهذا الوهم تحديدًا هو قلب المسألة.
تخيّل شخصًا يقف على شاطئ المحيط للمرة الأولى.يرى الأمواج، يسمع الصوت، يلمس الملح في الهواء. يقف هناك طويلًا ويشعر بشيء يشبه الإحاطة. وحين يعود إلى بيته ويُسأل عن المحيط، يتكلم بثقة. يصف اللون وارتفاع الأمواج وبرودة الماء. لكنه لا يعرف شيئًا عن التيارات التي تجري على عمق ثلاثة آلاف متر، ولا عن المنظومات الحية التي لا تصلها الشمس، ولا عن الضغط الذي يسحق كل شيء مألوف في الأعماق. ما رآه حقيقي، لكنه سطح. والسطح حين يبدو كاملًا يُوهمك بأنك أتممت المعرفة، بينما أنت لم تبدأ بعد.
هذه هي المعرفة المغلقة. ليست كذبًا، بل هي جزء من الحقيقة يتنكّر في هيئة كلّها. وأخطر ما فيها أنها تُشعرك بالاكتفاء، وهذا الاكتفاء هو بالضبط ما يُميت الفضول.
فقهاء علم الكلام عندنا سمّوا هذه الحالة بدقة أكبر مما نُسمّيها نحن اليوم. فرّقوا بين "الجهل البسيط" و"الجهل المركب". الجهل البسيط هو ألا تعرف وأن تعلم أنك لا تعرف. أما الجهل المركب فهو ألا تعرف وأن تظن في الوقت ذاته أنك تعرف. جهل مضاعف: جهل بالشيء، وجهل بالجهل نفسه. وصاحبه لا يسأل لأنه لا يرى سببًا للسؤال. واقفٌ على الشاطئ، مكتفٍ بما رأى، مطمئن إلى أن ما خلف الأفق ليس أكثر مما بين يديه.
والغزالي، الذي أمضى عمره يفتّش في حدود المعرفة، كتب في مصنفاته بعد أن جرّب علم الكلام وتعمّق فيه ثم تجاوزه، ما معناه أن الطريق إلى حقائق المعرفة من وجه بعينه يكون مسدودًا، وأن المعرفة الحقيقية لا تأتي من التراكم بل من نوع مختلف من الاقتراب. وقد عاش الغزالي هذه التجربة بنفسه ووصفها في الإحياء بصدق نادر حين قال: "فاسمع هذا ممن خبر الكلام، ثم قلاه بعد حقيقة الخبرة وبعد التغلغل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين،.. وتحقق أن الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود."
الرجل يتكلم بعد أن وصل إلى أقصى ما يستطيعه نوع معين من المعرفة، ثم اكتشف أن هذا الأقصى ليس نهاية بل جداراً. والجدار ليس فشلاً، بل هو أول لحظة تفهم فيها أين أنت فعلاً. وهذا من رجل لم يكن يتكلم من برج نظري، بل من تجربة اصطدم فيها بسقف ما يستطيع العقل وحده أن يصله.
المعرفة العميقة تفعل شيئًا مختلفًا تمامًا، وهذا الاختلاف لا يُريح.
الغوّاص الذي نزل إلى أعماق المحيط لا يعود بيقين أكثر، يعود بأسئلة لم يكن يعلم بوجودها. يرى أن ما ظنّه قاعًا هو سطح آخر لشيء أعمق. وهذا الإدراك، إدراك أن كل عمق يكشف عمقًا جديدًا، هو ما يُبقيه مستيقظًا ويجعله أكثر تحفظًا في أحكامه لا أقل. ليس لأنه صار أجبن، بل لأنه صار أعلم بما لا يعلمه.
وأنا أعرف هذا من تجربة مباشرة. كلما قرأت أكثر في موضوع ما، صرت أتردد حين أُسأل عنه. ليس تواضعًا مصطنعًا، بل لأنني صرت أرى أين تبدأ الأسئلة التي لا أملك أجوبتها. وهذا النوع من الرؤية لا يُريح، يُبقيك في حالة من اليقظة الدائمة التي لا تشبه الراحة في شيء.
لكن ثمة شيء آخر تفعله المعرفة العميقة، ونادرًا ما يُقال: تجعلك أكثر وحدة. تُبعدك عن الإجماع المريح، عن اليقينيات الجاهزة، عن تلك الجمل التي تُقال في الجلسات ويُومئ لها الجميع. وهذا ثمن لا يُذكر عادةً في مدح المعرفة.
كتبت في مقالي عن نجم وإمام جملة أعود إليها الآن: "أنا حين لا أستطيع أن أسأل، أبدأ بالشك." كنت أصف انزعاجًا شخصيًا حين يُغلق نقاش قبل أن يبدأ. لكنني أدرك الآن أن الجملة تقول شيئًا أبعد مما قصدت حين كتبتها.
الشك الذي تولّده المعرفة المغلقة شك أعمى. تشعر بأن شيئًا ما ليس في محلّه لكنك لا تملك أدوات تُسمّيه بها. يظل دائرًا في الداخل دون مخرج، مُتعِبًا بشكل خاص لأنه لا يذهب إلى أي مكان. أما الشك الذي تولّده المعرفة العميقة فهو يعرف موضعه. يستطيع أن يُشير بالضبط إلى أين يكمن الخلل، وأن يعترض بطريقة تُحدث أثرًا لا تنتهي بانتهاء اللحظة.
الفرق بين الشكّين يشبه الفرق بين الواقف على الشاطئ الذي يشعر بأن شيئًا ما يجري تحت السطح لكنه لا يستطيع تسميته، وبين الغوّاص الذي نزل ورأى ويعرف ما الذي يجري بالضبط وأين ولماذا.
ربما المشكلة لا تبدأ حين نجهل، بل حين لا نملك الكلمات التي تجعل هذا الجهل مرئيًا. هناك أشياء نظل نشعر بها دون أن نستطيع الإمساك بها، ليس لأنها غامضة بطبيعتها، بل لأن لغتنا لم تلحق بها بعد. وحين يحدث ذلك، يبقى كل شيء في حالة ضباب: لا يمكن فحصه، ولا الاعتراض عليه، ولا حتى الشك فيه بشكل واضح. التسمية هنا لا تشرح الشيء فقط، بل تخلقه بوصفه موضوعًا يمكن التفكير فيه أصلًا. قبلها، لا يكون هناك شيء محدد لنقول له “لا”.
وهنا يصبح ما كتبته عن نجم وإمام أكثر من مجرد مثال. يصبح تجليًا حيًا للفكرة في أدقّ صورها.
نجم حين كتب "شيّد قصورك على المزارع" لم يُضف معلومة جديدة. المصريون كانوا يرون ما يصفه كل يوم، يعيشونه في أجسادهم قبل أن يعيشوه في أفكارهم. لكنهم كانوا يعيشونه صامتًا، كمن يقف على الشاطئ يرى الأمواج ولا يملك كلمة تصف ما تحتها. ما فعله نجم هو أنه أعطاهم اللغة. والفرق بين أن تعيش شيئًا وأن تملك لغة تصفه فارق هائل، لأن اللغة تُحوّل التجربة الصامتة إلى واقعة يمكن الكلام عنها، ومن واقعة يمكن الكلام عنها إلى ظلم يمكن الاعتراض عليه.
هذا التسلسل، من الصمت إلى التسمية إلى الاعتراض، هو بالضبط ما جعل السلطة تخاف من أغنية. السلطة تفهم ما لا يقوله المنظّرون دائمًا: أن الكلمة الصحيحة تفعل في الوعي ما لا تفعله الجيوش في الأجساد. لو كانت هذه الأغاني مجرد أسماء وتصنيفات، لما خافت منها سلطة. ما خافته هو المعرفة العميقة التي تُريك ما كان أسهل ألا تراه، التي تنزل بك تحت سطح الشاطئ إلى حيث تجري التيارات الحقيقية.
وإمام من جهته لم يكن يُؤدّي أغاني، كان يمنح هذه الكلمات بُعدها الثالث. الصوت الذي يتذبذب بين الغضب والحزن والسخرية والأمل في الوقت ذاته لا يُوصَف بأنه أداء. هو نوع من المعرفة العميقة أيضًا، معرفة بما يحمله الإنسان العادي في صدره ولا يستطيع بوحده أن يُخرجه.
أعود إلى القارئ المعترض. الحكمة التي يستشهد بها صحيحة في سياقها. المعرفة الكثيرة، أي تراكم الأسماء والتصنيفات، قد تُقلّل الاندفاع الأعمى. وهذا ليس عيبًا. لكن الاندفاع الأعمى ليس هو الاعتراض، والفرق بينهما جوهري.
الاعتراض الأعمى يصرخ لأنه لا يعرف كيف يتكلم. والاعتراض الناضج الذي تولّده المعرفة العميقة أهدأ صوتًا وأعرف بموضعه وأصعب على أي سلطة أن تستوعبه أو تتجاهله. الواقف على الشاطئ يستطيع أن تُقنعه بأن ما يراه هو كل شيء. الغوّاص لا يمكنك إقناعه بهذا.
المشكلة إذن، وأعود إليها لأن ليس هناك طريقة أوضح لقولها، ليست في المعرفة. بل في أيّ المعرفتين تختار، وأيّهما تكتفي بها.
المعرفة التي تُريحك فورًا، تلك التي تجعلك تقف على الشاطئ وتشعر أنك أحطت بالمحيط، يجب أن تُقلقك لاحقًا. والمعرفة التي تُقلقك منذ البداية، تلك التي تجعلك تنزل وترى كم هناك مما لم تره، هي التي تفعل فيك شيئًا حقيقيًا.
قال الغزالي بعد رحلة طويلة في أعماق المعرفة ما معناه إن الطريق إلى الحقيقة يبدأ حين تُدرك أن ما وصلت إليه ليس نهاية. وهذا الإدراك مُتعِب لأنه لا يُعطيك راحة الوصول، بل يُعطيك شيئًا أصعب وأثمن: وضوح الرؤية.
والاعتراض الذي يأتي من هذا الوضوح ليس تمردًا على المعرفة. هو المعرفة حين تصل إلى العمق الذي يؤلم.
وحين لا أستطيع أن أسأل، أبدأ بالشك. لأن من يمنعك من السؤال يريدك واقفًا على الشاطئ إلى الأبد، مكتفيًا بما ترى، مطمئنًا إلى أن ما خلف الأفق لا يختلف عمّا بين يديك.وهو يختلف. دائمًا.
 
2023 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون