إغلاق "رواق على القرماسي": حين تسقط ورقة أخرى من شجرة الفن في العاصمة.
2026 ,17 شباط
رفيق المهاجر:صوت العرب - تونس.
في صمت إداري ثقيل، أُغلق فضاء رواق على القرماسي، أحد الفضاءات الفنية التي شكّلت على مدى أكثر من ثلاثة عقود محطة أساسية في مسار الفن التشكيلي بــتونس. فمنذ افتتاحه في سبتمبر 1992، ظلّ هذا الرواق نافذة مفتوحة على التجارب التشكيلية التونسية، ومتنفسًا حيويًا للفنانين والجمهور على حدّ سواء.
قرار الإغلاق لم يكن نتيجة تراجع النشاط أو غياب الجمهور، بل جاء نتيجة تطبيق حرفي لسياسة إدارية تنتهجها وزارة الشؤون الثقافية، تقضي بعدم استغلال فضاءات ليست على ملك الدولة، مهما كانت قيمتها الرمزية أو دورها الثقافي. ورغم أن معاليم كراء الفضاء كانت زهيدة ولا تمثل عبئًا يُذكر على ميزانية الوزارة، فإن التعنّت الإداري كان كفيلًا بوضع حدّ لمسيرة فضاء ظلّ قائمًا ومفتوحًا منذ أكثر من ثلاثين سنة.
لم يكن "رواق على القرماسي" مجرد فضاء عرض، بل كان ذاكرة حيّة للفن التشكيلي التونسي المعاصر. احتضن عشرات المعارض الفردية والجماعية، وفتح أبوابه لأجيال متعاقبة من الفنانين، من الأسماء المؤسسة إلى الأصوات الشابة الباحثة عن أول اعتراف. في هذا المكان، لم تكن الأعمال الفنية تُعرض فقط، بل كانت تولد، وتُناقش، وتُختبر، وتجد طريقها نحو المشهد الثقافي الأوسع.
ويأتي هذا القرار في سياق يعاني فيه الوسط الفني أصلًا من شحّ واضح في الفضاءات العمومية المخصصة للعرض، حيث يجد الفنانون أنفسهم في مواجهة محدودية الخيارات وارتفاع كلفة الفضاءات الخاصة، مقابل تراجع حضور الدولة كفاعل داعم ومرافق للحياة الثقافية.
ويرى متابعون للشأن الثقافي أن المسألة تتجاوز مجرد تطبيق إجراء إداري، لتطرح سؤالًا جوهريًا حول طبيعة الدور الذي تضطلع به الوزارة: هل يقتصر على إدارة الممتلكات وفق منطق قانوني صرف، أم يمتدّ ليشمل حماية الفضاءات التي صنعت ذاكرة الفن وأسهمت في استمراريته، حتى وإن لم تكن على ملكها المباشر؟
إغلاق "رواق على القرماسي"، المفتوح منذ سبتمبر 1992، لا يمثل فقط نهاية نشاط فضاء، بل نهاية فصل كامل من تاريخ الفن التشكيلي في العاصمة. إنه أشبه بسقوط ورقة خريف جديدة من شجرة الثقافة التونسية. ورقة قد لا تُحدث ضجيجًا لحظة سقوطها، لكنها تترك فراغًا واضحًا في الأغصان.
ومع كل فضاء يُغلق، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: من يحمي ذاكرة الفن، حين تتحول الإدارة من حاضنة للإبداع إلى شاهد على انطفاء فضاءاته؟ وفي انتظار إجابة، يبقى باب الرواق مغلقًا، فيما تظل جدرانه شاهدة على زمنٍ كان فيه الفن يجد مكانًا له، ولو في مساحة مستأجرة… لكنها كانت، بما احتضنته، ملكًا للذاكرة.
 
2023 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون