رسمي محاسنة:صوت العرب - الاردن.
مرت ذكرى وفاة الفنان المغربي" العربي باطما " نجم واحد مؤسسي فرقة الناس الغيوان ، هذه الذكرى التي انتهت فيها حياة أحد المبدعين ، فهو مؤلف الأغاني ومطرب الفرقة وكاتب سيناريو وممثل تلفزيوني وسينمائي . هذه المواهب المتعددة رغم أنه لم يكمل تعليمه ، لكنه خرج الى فضاءات الحياة ليكون نموذجاً ابداعياً ومعبراً عن مرحلة هامة من حياة المغرب والأمة .
تمر الذكرى في السابع من شباط عندما ودّع الناس الغيوان " عريس الأغنية الغيوانية " بعد حياة اختزلها في روايتين هي " الرحيل " والثانية هي " الألم " وهي نوع من السيرة الأنشطارية ، التي امتزج فيها الخاص بالعام وبوح شديد فيه صدمة شديدة وحساسية عالية ، عن مسيرة تعرجت مابين إنكسارات ونجاحات ونجومية .
والحديث عن العربي " باطما " لاينفصل ابداً عن الناس الغيوان هذه الفرقة التي جاءت مع بداية السبعينات ، وفرقة بهذا الحجم من الحضور والتأثير ، لابد من العودة الى الظروف التي احاطت بها والظرف السياسي والإجتماعي والفني سواء على المستوى المحلي أو العالمي .
تلك المرحلة كانت على الصعيد العالمي ، مرحلة حراك استثنائي حيث صعود اليسار العالمي ،والموسيقى والاغنية البديلة المتمردة، والخروج على المؤسسات الإجتماعية والسياسية ، وعلى كل القوالب الجامدة والنزوح نحو التحرر والإنطلاق الى أبعد الحدود .
أما على المستوى العربي ، فقد كانت حالة من عدم اليقين بعد هزيمة 67 ، وصدمة الشباب العربي بالهزيمة التي أفاقوا عليها ،ومحاولة إعادة التوازن والحسابات والتعامل مع الحقيقة الماثلة أمامهم .
أما في المغرب العربي فقد كانت تلك هي سنوات " الجمر والرصاص " حيث القمع وإلاقصاء والتهميش ،والتمايز والفساد والقهر، وتغول السلطة الأمنية .
وتغييب جيل دفع الكثير في مقارعة الإستعمار .
العربي " باطما " ولد في عائلة معدمة ، والده كان يعمل في سكة الحديد ، وتنقلت العائلة مابين الصحراء واطراف المدينة الى أن استقرت في " الحي المحمدي " على هامش الدار البيضاء، ولم ينتظم بالمدرسة ، وفي ظل غياب سلطة الأسرة و الأب ، والفقر الشديد ، وجد " العربي " نفسه في طريق المشاكسة والجنوح ،وهو ما عبّر عنه بوضوح وشفافية في رواية " الرحيل" ، لكنه لم يغب عن الوعي ، فقد كان يمنح نفسه وقتاً للتأمل والإعتكاف ، ووجد في نفسه ميلاً نحو التمثيل والغناء ، فقد كان صوته قوياً وصداحاً ، فانضم الى فرقة مسرحية ، وسافر الى باريس لكن الفرقة لم تجد النجاح المطلوب .
واستمرت مغامرة العربي في " مسرح البلد " بعد أن ضمهم " الطيب الصديقي " واكتشفوا تأثير الأغنية على الجمهور فكان أن التقط الراحل " بوجميع " الفكرة ، وقرر إنشاء فرقة غنائية مستقلة ، انضم اليها " العربي باطما " ولم تكن الرؤية واضحة ، حتى بإختيار اسم الفرقة الى ان استقروا على اسم " الناس الغيوان "
مجموعة من الشباب القادمين من فقر " الحي المحمدي " ،من رائحة التراب، من وجدان الناس ، من وحي المعاناة والألم والفقر ، روحهم المتوثبة نحو الحرية والخلاص والإنحياز لبيئتهم واهلهم وامهاتهم اللواتي تعلموا منهن الكثير من الغناء .
إن " بوجميع والعربي باطما " وعلال وعمر السيد " بالرغم من عدم حصولهم على مستويات تعليمية عالية ، إلا انهم كانت لديهم مرجعيات أمهاتهم والتراث المغربي الهائل الذي يمثل " عبد الرحمن المجذوب " مصدراً مهما له ، وله تلاميذ من المجاذيب الممتدين عبر السنين ، فكان إن ذهبت المجموعة الى المنبع الأصيل ، بكل ما يمثله من بساطة وعمق، والعذابات المتراكمة التي عبر عنها الوجدان الشعبي ، ليأتي " الناس الغيوان " ويكونوا هم الممثل الحقيقي لهذا الوجدان ، فكان المؤسس " بو جميع " هو الذي ينظم معظم الغناء،لكنه غادر مبكرا ، فكان موته المفاجئ والملتبس ، ومن صدمة غياب " بو جميع " ظهر " العربي باطما " الذي أعاد إنتاج هذا الموروث بصياغة صادقة ومعبرة ، دون الوقوع في الخطابة السياسية أو التلون بأي من الوانها.، فقط كان الوطن"المغرب" حاضراً ، " والوطن الكبير" العربي " كذلك ،وحكما كانت فلسطين حاضرة بقوه ، القدس، صبرا وشاتيلا، والهم العربي ،و كان " صهيون " يتردد في الاغاني،كون الصهيونية هي التي تعيق مسار الامة.
" العربي باطما "... كان يدرك كل هذا الجحيم الذي يدور حولة ، فهو الذي ولد في عهد الاحتلال الفرنسي ، وتفتحت عيونه على ظلم السلطة وهو وبحكم تكوين شخصيته المتمردة كان صدى حقيقياً ، لواقع مرير ولذلك فإنه من الظلم ان نطلق على " الناس الغيوان " انهم كانوا مجرد ظاهرة ، او متطلبات مرحلة ،بل هم تعبيراً حقيقياً عن مرحلة كاملة من تاريخ المغرب والأمه .
والذي يتابع مسيرة الفرقة يجد ان كل اغنية هي بمثابة بيان احتجاجي ، وصرخة، و " لا " كبيرة في وجه الظلم والفقر والاقصاء، وبوح عن المكتوم في صدور المقهورين،ففي اغنية " فين غادي بي يا خويا " صدى لا وجاع الغربة والحنين وسؤال كبير عن ما يتعرض له الانسان المغربي ، وفي اغنية " غير خذوني " خطاب مباشر للجلاد الذي لايرحم ، وفي " الصينية " حنين واستحضار لكل ما تحمله " الصينية " في الوجدان المغربي من دلالات لها علاقة بالروح الناظمة للعلاقات الاجتماعية بكل دفئها وحميميتها ،وغيرها الكثير ، ولكن لم يفقد " الناس الغيوان " ايمانهم بالانسان وقدرته على العودة واستنهاض الهمه .
كان انحياز " الناس الغيوان " واضحاً ومحسوماً في صف الغالبية الصامته والمغلوبة على امرها فكانوا صوتهم في زمن الخوف ، فهم القادمون اصلاً من رحم المعاناة ومن بيوت الصفيح ، وهم الذين وقفوا على اطراف المدينة يرقبون الظلم الاجتماعي والتمييز الطبقي واحتكار السلطة والمال والقوة والعنف ، وبالتالي لم تكن لهم حساباتهم الخاصة ، كانت وجهتهم هي عموم المقهورين المسورين بحضرة الألم والمعاناة والعذاب.
وكان طبيعياً ان يكون هذا الصدى ، وهذا الوصول السريع الى وجدان الناس ، وعقولهم ، فالجماهير كانت تسمع ما هو مكتوم من خلال موسيقى وغناء الفرقة ، وكانوا هم من يمثلهم ويعبر عنهم ، ويعرف احزانهم واحلامهم وتطلعاتهم ، ويعرف البؤس الذي يولد فيه الاطفال ، وما سيؤولون اليه في ظل غياب العدالة ، وتكافؤ الفرص وسيادة شريعة القوة الظالمة .
وقد كان البعد الصوفي بدلالات سياسية،واضحاً في اغاني " الناس الغيوان " وذلك ان التراث الغنائي والموسيقي المغربي له مرجعياته الدينيه ، لاسباب كثيرة من ابتهالات وموشحات ومدائح ، لكن " الغيوان " لم يقدموا هذا الغناء بدلالاته الدينيه التقليدية، وانما جاء منسجماً مع مكونات التراث الشعبي المغربي ، فهو يحمل بعداً ايمانياً من شأنه ان يعمل على تقوية النواة الصلبة في داخل الانسان التي تعينه في مواجهة قسوة الحياة ، وليس تغييباً له في عوالم الغيبيات السلبية .
" الناس الغيوان " تجربه إنسانية وفنية وفكرية راقية ، لايمكن فصلها إطلاقاً عن إرهاصات تلك المرحلة التي عاشها المغرب بعد الإستقلال ، ولا عن مجمل التحولات العالمية ، حيث أطلق " بو جميع " رصاصة المخاض ، وإن كانت ارتدت عليه بموت مايزال غامضاً ليكون واحداً من ضحايا احتقان النظام السياسي والإضطراب والتوتر العالي الذي عاشه المجتمع الثقافي ، ليأتي " العربي باطما " ويبث الروح من جديد في الفرقة ، وكأنه يتحدى ويقاتل في إنتاج غزير من الأغاني التي أكدت على البناء المتين للفكر الغيواني المنتمي لوجع الناس .
وباستعراض للتجربة الغيوانية ، فإنها ليست مجرد صدى وانما هي فكر مؤسس على تصحيح المعادلة ، فكان خطابها موجهاً الى كل الفئات وتحدت التابوهات السياسية في موسيقاها ومفرداتها والحانها وبإلتفاف الجماهير عليها ، كانت بمثابة تعبير عن نضال شعبي له أبعاده الوطنية والانسانية ، فلم يتراجعوا عن خطوط النار ، لانهم أساساً لم يخونوا الطبقة التي جاؤا منها وينتمون إليها وبقوا على وفائهم للانسان البسيط وهمومه وأحزانه ، ولم يقعوا في غواية الشهرة والمال ، لان هدفهم الأسمى كان التعبير عن الناس في مواجهة قاسية لا تعرف التراجع .
لقد كان المرحوم " العربي باطما " هو الروح الذي ذابت احتراقاً ، تأليفا وغناءً ، وإصراراَ على تكريس معاني وقيم إنسانية ووطنية نبيلة ، وهو البلبل الصداح وعريس الأغنية الغيوانية ،تماهت الجماهير مع احساسه ، وصوته القوي الشجي ، المليء بالهموم ، لكنه أيضاً يفتح باب الأمل ، مع موسيقى لم تكن بمعناها الأكاديمي وانما متناغمة مع الوجدان الجمعي بكل براءته وعفويته.
ومع موت " العربي باطما " في (07/02/1997) يكون القنديل قد غادر الى حيث لا رجعه، لكن قنديل الأمل بالأجيال الجديدة وبالمستقبل الذي غنى له " العربي " في موال أغنية " السقام "، ما يزال حاضراً ،وما تزال أغاني من "الناس الغيوان " مرجعية " وزاداً للناس البسطاء والمثقفين انهم " احباب الغيوان " الذين غامروا بروح الشباب وتصدوا لمهمة عظيمة وانتجوا هذا الفكر الراقي .
ونحن نستذكر " العربي باطما " استذكر لقائي معه في بداية التسعينيات ، وعتبه علينا هنا في الشرق العربي ، لاننا لم نبادر للتقدم باتجاه ثقافة المغرب العربي ، رغم أن فلسطين والعرب حاضرين بقوة في غناء وموسيقى وفكر الناس الغيوان .
رحل " العربي باطما " رحل ابن " رحال " وصاحب رواية " الرحيل " ، المتمرد الذي رفض هو فرقتة ان يتم احتوائة تحت اي تنظيم او مسمى سياسي ، لان روحة اكبر من ان يتم احتوائها ، وحزبه هو " الناس " البسطاء والمعدمين ، المقهورين ، والمقموعين بسطوة تزاوج السلطة والمال ، وليعطي نموذجا للفنان " الموقف " المنحاز الى الناس ، بعيدا عن اية حسابات ، ونموذجا كم نحن بحاجة لاستذكارة ، واسترجاعة ، وسط هذه الحالة من " التواطؤ " التي يعيشها الفن عموما ، -الا من رحم ربي -.
على مدخل البيت الذي عاش به العربي باطما في الحي المحمدي -الدار البيضاء.