العنف "الهويّاتي".
2022 ,13 آذار
*د.عبد الحسين شعبان.
صوت العرب:بيروت –لبنان.
  لم تعد القوانين والآليّات المعتمدة في مواجهة ظاهرة العنف ناجعة بما فيه الكفاية، لا على المستوى الوطني ولا على المستوى الدولي، خصوصاً وأصبح العنف ظاهرة متفشّية ومستشرية على النطاق العالمي و زاد منها الوسائل التكنولوجية المستخدمة في ظل العولمة والطور الرابع للثورة الصناعية والذكاء الاصطناعي بما فيها تكنولوجيا الإعلام والمعلومات ووسائل الاتصال والمواصلات التي تخطّت خلال ربع القرن المنصرم ما أنتجته البشرية خلال خمسة قرون من الزمن. 
     وبالرغم من انتشار أفكار السلام وارتفاع رصيد الدعوات اللاّعنفية إلاّ أن حلم "السلم الأزلي" الذي استحوذ على عقل المفكر الألماني عمانوئيل كانط، ما يزال بعيد المنال ، بل أن الأمر ازداد تعقيداً وعسراً، حيث تعاظمت وتيرة الحروب والنزاعات المسلّحة على صعيد  العلاقات الدولية والمجتمعات والأفراد وفي داخل كل بلد، بما قاد إلى الانفصام بين السلطات الحاكمة وشرعيّتها السياسية من جهة وبين المشروعية القانونية، أي "حكم القانون" من جهة ثانية.
      وقد اتخذ العنف بعداً "هويّاتياً" دينياً أو مذهبياً -  طائفياً، أو قوميّاً - إثنياً عنصرياً ، وهو ما يذكّر بالحروب الدينية - الطائفية في أوروبا بين الكاثوليك والبروتستانت، بما عرف ? "حرب المئة عام" و"حرب الثلاثين عام" التي راح ضحيّتها ملايين البشر، ففي ألمانيا وحدها زاد عدد الضحايا من الرجال عن 13 مليون ونصف المليون من مجموع عدد السكان البالغ 30 مليون، مما خلق مشكلة اجتماعية لاحقة، لكن تلك الحروب انتهت بإبرام صلح أو اتفاقية ويستفاليا في العام 1648 ، وجرى الاعتراف بالمساواة الدينية وحرية ممارسة الشعائر واحترام سيادة البلدان وتعاونها من أجل حفظ الأمن.
      وفي العالمين العربي والإسلامي ساهم العنف في تعطيل التنمية وعمّق من تصدّع العلاقات بين دولها وزاد من تمزّق النسيج المجتمعي، مما أدّى إلى تدهور أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، خصوصاً حين ارتبط العنف بالمسوّغات الدينية والطائفية المستندة إلى مفاهيم ماضويّة وتفسيرات وتأويلات إقصائية ، فتحت يافطة " الجهاد" انساقت مجاميع متعصّبة ومتطرّفة لإعلان حالة الحرب ليس على الخارج الأجنبي الكافر الإستكباري الغريب كما تبرّر فحسب، بل على الداخل المختلف، المنافس، الخصم أو العدو، وذلك تحت مزاعم فقهية لا علاقة لها بفكرة الجهاد في الإسلام التي لها شروطها ومواصفاتها المعروفة والتي لا تنطبق على أعمال القتل والإرهاب والعنف المنفلت من عقاله والتي تقوم بممارساتها الجماعات الإرهابية باسم الدين لأهداف سياسية وتبريرات استعلائية أو ادعاء أفضليات أو زعم بامتلاك الحقيقة. فكيف يجتمع الدين مع الكراهية والحقد والبغضاء والانتقام؟ فغاية جميع الأديان هي تحقيق الخير والسلام والعدل والكرامة الإنسانية.
     ربما يعود الأمر في جزء منه إلى فشل الدولة الحديثة في احتكار العنف وتقنينه كجزء من مشروعيّتها القانونية، والمقصود بذلك ضبطه بحدوده الدنيا وحصره والسلاح بيدها وحماية أمن المجتمع وأمانه والحفاظ على النظام العام، خصوصاً في البلدان التي انهارت فيها سلطة الدولة ونظامها القانوني أو شهدت حروباً ونزاعات مسلّحة، وهو ما حصل في العراق بعد احتلاله العام 2003 ، خصوصاً بانفلات العنف الطائفي والقتل على الهويّة في العام 2006 ، ومثل هذا الأمر حصل في اليمن و ليبيا وسوريا وقبل ذلك لبنان، حيث سعت مجموعات مسلحة وإرهابية وتحت عناوين الهويّة إلى وضع نفسها فوق الدولة التي عملت على تعويمها أو عدم الاعتراف بها مستعيضة عنها بميليشيات ودعم خارجي. 
      يعيد العنف خارج الدولة طرح مفهوم "حكم القانون" الذي يرتبط بمبادئ سيادة الدولة على كامل أراضيها، ويمتدّ إلى المحيط الدولي، حيث ظلّ المجتمع الدولي يكافح وينافح  من أجل إيجاد تعريف للعدوان منذ العام 1933 حيث فشل مجلس عصبة الأمم من الاتفاق على ذلك، ولم تتمكن أو ترغب القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية من تثبيته في ميثاق الأمم المتحدة، فظلّ مصدر خلاف حتى العام 1974 ، والأمر يخصّ تعريف الإرهاب أيضاً الذي ما يزال غامضاً وملتبساً باختلاف المصالح والأيدولوجيات  على الرغم من صدور أكثر من 20 قراراً واتفاقية دولية بخصوصه، منها 13 قبل تفجير برجي التجارة العالمية في نيويورك في 11 أيلول / سبتمبر 2001  ، إضافة إلى ثلاثة بعده و 4 قرارات عن مجلس الأمن الدولي بعد احتلال داعش للموصل في العام  2014 ، وعدد من الاتفاقيات ما قبله وبعدها.
    ويمكن القول إن الجماعات التي تمارس العنف لا تعدّه وسيلة لتحقيق غاياتها وتلبية احتياجاتها بقهر الخصوم والأعداء فحسب ، بل يصبح عند تضخيم الهويّة شرط وجود، وهذا الوجود لا يُستكمل إلاّ بالحرب باسمها ، وذلك أقرب إلى المجتمعات البدائية التي لا تعرف نفسها إلاّ من خلال الحرب، فبالحرب تتشكل أو تكتمل هويّاتها، ولعلّ هذا العنف الهويّاتي هو الأكثر خطراً لأنه عنف إلغائي وإقصائي يقوم على التناحر الذي لا يمكن حلّه إلاّ بالقضاء على الآخر أو استسلامه على طريقة المصارعة الرومانية القديمة.
*اكاديمي ومفكر عربي.
 
2023 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون