2026 ,25 حزيران

امينة عباس: صوت العرب - دمشق.
ضمن أجواء من المتعة والفائدة، وعلى خشبة مسرح العرائس في دمشق، تستمر عروض المسرحية العرائسية "عسولة"، تأليف فاتن ديركي، إخراج عبد السلام بدوي، وهي التي تدور أحداثها ضمن إطار رمزي تربوي، حيث تطرح مجموعة من القيم المرتبطة بالتعاون والعمل والاتجاهات، من خلال شخصية "عسولة" التي تمثل نموذجا طفوليا بسيطا يعكس البراءة والتفاعل الإيجابي مع محيطها. فعسولة، كما تقول الكاتبة فاتن ديركي، كائن صغير يعيش في عالم أكبر منه، ويبدأ رحلة اكتشاف الذات والعالم من خلال التجربة، لا من خلال التلقين: "وهي ليست مجرد نحلة، بل هي رمز للطفولة نفسها: الفضول، الخوف، الرغبة في الاكتشاف، والتردد بين البقاء في الأمان أو الذهاب نحو المجهول"، مؤكدة ديركي أن المسرحية لا تقدم رسالة مباشرة، بل تفتح سؤالا أساسيا: كيف يكتشف الطفل العالم دون أن نفقد براءته؟
الدمية كائن درامي مستقل
تعد مسرحية "عسولة" التجربة الرابعة في مسيرة الكاتبة في مسرح العرائس، والسادسة في مسرح الأطفال، وديركي تؤمن أن لمسرح العرائس لغة مختلفة عن المسرح التقليدي، فهو برأيها يعتمد على: الرمز بدل الواقعية، وعلى الحركة بدل الشرح، وعلى الصمت كجزء من المعنى، وفيه تتحول الأشياء الجامدة إلى كائنات حية، والدمية فيه ليست أداة تمثيل فقط، بل هي كائن درامي مستقل يعيش داخل فضاء تخيلي مفتوح.."كما أن مسرح العرائس يخلق مسافة جمالية بين الطفل والحدث، تسمح له أن يتأمل بدل أن يتلقى بشكل مباشر".
نص لا يشرح العالم بل يبنيه.
وترى ديركي أن نص مسرح العرائس يحتاج إلى خصائص خاصة، أهمها: أن يكون بصريا قبل أن يكون لغويا، وأن يعتمد على الفعل والحركة لا الحوار الطويل، ويترك مساحة واسعة للخيال والتأويل عبر استخدام رموز بسيطة وعميقة بالوقت ذاته، مع أهمية أن يتجنب التلقين والرسائل المباشرة، وأن يكون قابلا للتحويل إلى حركة دمى حقيقية على الخشبة، والنص فيه لا يشرح العالم، بل يبنيه أمام الطفل ليكتشفه بنفسه.
مسرح الفكرة المجسدة بصرياً
وفي ظل ندرة نصوص مسرح الدمى، تبين ديركي أن قلة نصوص مسرح الدمى تعود إلى عدة أسباب، منها اعتبار هذا المسرح "سهلا" بشكل خاطئ، بينما هو في الحقيقة يحتاج كتابة دقيقة جدا تعتمد على الصورة والحركة، إلى جانب غياب التدريب الأكاديمي المتخصص، وضعف التخصص في الكتابة للعرائس: "كثير من الكتاب يكتبون للمسرح الواقعي ولا يملكون أدوات التفكير البصري للدمى". وتأسف كذلك لأن مسرح الدمى لا يعامل دائما كفن فلسفي مستقل، بل كفن ترفيهي فقط للأطفال، مع أنه ليس مسرحا بسيطا كما يعتقد، بل هو مسرح الفكرة المجسدة بصرياً، حيث يتحول الصمت إلى لغة، والدمية إلى سؤال، والحركة إلى معنى، ومسرحية "النحلة عسولة" تنتمي إلى هذا الاتجاه الذي يرى الطفل كشريك في إنتاج المعنى، لا متلق له.
العلاقة حميمة بين الدمية والطفل
وعن مسيرتها في الكتابة لمسرح العرائس، تشير ديركي بداية إلى أن لمسرح العرائس خاصية تجعله مقربا من نفسها، حيث خلق الحياة في الدمى وجعلها تتحرك وتتحدث ككيان حقيقي، سواء كانت شخصيات إنسانية أم حيوانية، هو حالة جميلة فيها إبداع حقيقي وتشد الطفل بشكل كبير. وقد شعرت بهذا الانجذاب لهذا المسرح بعد كتابة وإخراج مسرحية نمرود والأصدقاء، حيث كانت أول تجربة لها في هذا المضمار، وحينها لفتها كثيرا العلاقة الحميمة بين الدمية والطفل وطريقة تعاملهم معها أثناء التحية والختام، وحرصهم على الاقتراب منها ولمسها كأنها شخوص حقيقية من لحم ودم. وهنا قدرت أهمية هذا الفن للأطفال في العمر المبكر، ودوره الكبير في تعزيز القيم التربوية والأخلاقية لدى الطفل، وتحديد مسيرته الحياتية والاجتماعية، مع إشارتها إلى أن نص مسرح العرائس يجب أن يكون بسيطا وغنيّا بالأغاني والموسيقى، ولا يحتوي معاني ومفردات صعبة غير معقدة، وأن يكون له خط درامي واحد كي لا يضيع الطفل ويتشتت، وأن يكون وقت العرض قصيراً لأن الطفل في هذه المرحلة يكون سريع الملل.
يذكر أن الكاتبة فاتن ديركي محامية وشاعرة وقاصة وروائية.