«ساعة حظ» :حين تتحول الحرب إلى مرآة للروح ويغني الإنسان في مواجهة الخوف.
2026 ,15 حزيران
 منى فتحي:صوت العرب - القاهرة.
في المسرح الجيد لا تكون الحكاية مجرد أحداث تُروى، بل رحلة إنسانية تعيد اكتشاف الذات وهذا ما يفعله عرض «ساعة حظ» على خشبة مسرح الشباب «أوبرا ملك» إذ يأخذنا إلى زمن الأربعينيات، لا لنشاهد فترة تاريخية مضت، بل لنرى الإنسان في أكثر لحظاته هشاشة وصدقًا وهو يقف وجهًا لوجه أمام خوفه، وأحلامه، وأسئلته المؤجلة،وتنكشف النفوس تحت وطأة الخطر، ويصبح الفن وسيلة لفهم الإنسان قبل أن يكون مجرد وسيلة للمتعة.
 ومع كل أغنية ومشهد وحوار، يشعر المتفرج أنه لا يشاهد شخصيات على خشبة المسرح، بل يرى انعكاسًا لأسئلته الخاصة ومخاوفه وأحلامه التي تشبه أحلام هؤلاء العابرين داخل المخبأ.
العرض المأخوذ عن رواية «المخبأ رقم 13» للأديب الكبير محمود تيمور، لا يقدم معالجة تقليدية للنص الأدبي، بل يمنحه حياة جديدة عبر رؤية مسرحية غنائية ثرية، استطاع من خلالها الشاعر أحمد زيدان أن يعيد صياغة العالم الروائي في بناء شعري يحمل حسًا دراميًا رقيقًا، تتجاور فيه الكلمة مع الموسيقى، والحكاية مع الغناء، ليخرج النص في صورة أقرب إلى قصيدة مسرحية نابضة بالحياة.
تبدأ الأحداث داخل مخبأ يلجأ إليه عدد من الأشخاص هربًا من غارة جوية تهدد حياتهم، فيجدون أنفسهم محاصرين في مكان واحد، لا يملكون سوى الانتظار، لكن انتظار الخطر لا يكشف فقط عن الخوف، بل يكشف عن البشر أنفسهم.
هنا تصبح الحرب مجرد إطار خارجي، بينما المعركة الحقيقية تدور داخل النفوس.
تتكشف الطبقات الاجتماعية، وتتصادم الأفكار، وتظهر التناقضات الإنسانية بكل وضوح، الأرستقراطي بجوار البائع البسيط، والمحامي إلى جوار ماسح الأحذية، والحالم إلى جوار الساخر، والجميع أمام مصير واحد لا يفرق بين غني وفقير أو صاحب سلطة ومهمش.
ومن خلال هذا التكوين الإنساني المتنوع ينجح العرض في تقديم صورة مصغرة للمجتمع المصري في تلك الحقبة، صورة مليئة بالتفاصيل والاختلافات، لكنها تؤكد في النهاية أن الخوف يوحد البشر أكثر مما تفرقهم الظروف.
لكن ما يميز «ساعة حظ» حقًا هو حضوره الغنائي الطاغي فالأغنيات هنا ليست فواصل بين المشاهد، بل جزء أصيل من السرد الدرامي، تحمل المشاعر وتكشف دواخل الشخصيات وتدفع الأحداث إلى الأمام.
وقد جاءت أشعار أحمد زيدان محملة بالشاعرية والدفء والحنين، بينما صاغ زياد هجرس ألحانًا أعادت للجمهور روح الأربعينيات بمفرداتها الموسيقية وأجوائها الساحرة، فبدا العرض وكأنه رسالة حب إلى زمن جميل لم تغادر روحه الوجدان المصري.
وكانت الأغنيات من أبرز عناصر القوة في العمل، إذ تنقلت بين البهجة والشجن والتأمل، معبرة عن أحلام الشخصيات ومخاوفها وأسئلتها الوجودية، ومؤكدة أن الموسيقى كانت شريكًا كاملًا في صناعة الحكاية.
ويبرز من بين الأصوات الغنائية الفنانة نادين عامر في شخصية «عفاف» حيث قدمت أداءً غنائيًا متميزًا اتسم بالإحساس والدفء، لتمنح الأغنيات روحًا خاصة وحضورًا مؤثرًا داخل العرض.
كما لفتت الفنانة هالة محمد الأنظار في دور «بسبوسة» تلك الشحاذة التي تحمل وراء بساطتها حكاية إنسانية مؤلمة استطاعت هالة أن تمنح الشخصية صدقًا وعفوية وقد شكل وجودها إلى جوار شخصية «الشيخ عميشة» حالة إنسانية مؤثرة، تجمع بين الألم والأمل في آن واحد.
أما الفنان القدير ياسر أبو العينين فقد قدم أداءً متميزًا في دور الخواجة، مستفيدًا من حضوره المسرحي وخبرته الكبيرة، ليضيف جرعة من البهجة وخفة الظل دون أن يفقد الشخصية عمقها الإنساني.
وشارك في بناء هذا العالم المسرحي مجموعة من الفنانين الذين نجحوا في تقديم شخصيات متنوعة ومتباينة، من بينهم عادل الحسيني، ومحمد مجدي، وعلي البهي، ويسري إبراهيم، وليلى عبد القادر، ومحمد عيسى، ومحمد أسامة الهادي، ومحمد بغدادي، وأحمد جيمي، حيث أسهم كل منهم في رسم ملامح المجتمع الذي أراد العرض تقديمه، ضمن حالة جماعية متجانسة ومليئة بالحيوية.
وعلى مستوى الصورة المسرحية، جاء ديكور المهندس محمد طلعت واحدًا من أهم عناصر نجاح العرض. فقد استطاع أن يصنع فضاءً بصريًا مقنعًا جعل المتفرج يشعر وكأنه داخل المخبأ بالفعل، محاصر مع الشخصيات داخل ذلك المكان الضيق الذي تتسع فيه الحكايات والأسئلة الإنسانية.
وساعدت إضاءة أحمد أمين على تعميق هذا الإحساس، فجاءت واعية بطبيعة المكان والحالة النفسية للشخصيات، متنقلة بين التوتر والدفء والحنين، لتصبح عنصرًا دراميًا مؤثرًا لا مجرد وسيلة للرؤية.
أما المخرج حسام التوني، فقد أكد مرة أخرى امتلاكه حسًا خاصًا في التعامل مع المسرح الغنائي،نجح في المزج بين الحكي والغناء والحركة دون أن يطغى عنصر على آخر، محافظًا على إيقاع متوازن طوال العرض.
وتبدو قيمة رؤيته الإخراجية في أنه لم يتعامل مع النص بوصفه حكاية تاريخية تدور في الأربعينيات، بل باعتباره نصًا إنسانيًا يتجاوز الزمن فجعل الشخصيات أقرب إلى الجمهور، وحول المخبأ إلى مساحة رمزية لمواجهة الذات، حيث يكتشف كل شخص حقيقته حين يصبح الموت احتمالًا قريبًا.
وفي لحظات كثيرة بدا العرض وكأنه يطرح سؤالًا بسيطًا وعميقًا في آن واحد: ماذا يبقى من الإنسان حين يسقط عنه كل شيء؟
ولهذا لم يكن «ساعة حظ» مجرد عرض غنائي ممتع أو رحلة حنين إلى الماضي، بل تجربة مسرحية تحتفي بالإنسان، وتدعونا للتأمل في أنفسنا وفي اختياراتنا وفي هشاشتنا أمام القدر.
إنه عرض يجمع بين جمال الكلمة، ودفء الموسيقى، وصدق الأداء، ليصنع حالة فنية مبهجة ومؤثرة في الوقت نفسه وفي زمن تتسارع فيه كل الأشياء، يمنحنا «ساعة حظ» فرصة نادرة للتوقف قليلًا، والإنصات إلى أصواتنا الداخلية، ونحن نراقب على الخشبة بشرًا يشبهوننا أكثر مما نظن.
2023 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون