دعاء مامون :صوت العرب – الاردن.
حين أعلن مهرجان ليالي المسرح الحر الدولي عن برنامج دورته الحادية والعشرين، كان عرض "سراب" من الأسماء التي استوقفت المتابعين قبل أن تُرفع الستارة. ليس فقط لأن المخرج المعتمد المناصير اسم يحمل وزنه في المشهد المسرحي الأردني المعاصر، بل لأن الفكرة نفسها بدت طموحة بما يكفي لتستحق الاهتمام: رجل وحيد في الصحراء، محاصر فوق لغم، لا يملك إلا جسده وهواجسه وما تبقى من يقينه.
العرض قُدِّم على خشبة المركز الثقافي الملكي في عمّان ضمن فعاليات المهرجان الممتدة بين السادس عشر والحادي والعشرين من أيار 2026، يقوم على نص يختبر علاقة الإنسان بالفراغ، جغرافيًا ونفسيًا في آنٍ واحد. الصحراء ليست خلفية بل شرط وجود، واللغم ليس أداة حبكة بل سؤالٌ عن طبيعة الخوف حين يسبق الخطر الفعلي ويحلّ محله.
خرجت من العرض بانطباع معقد. ليس الفشل الذي يُنسى بسهولة، ولا النجاح الذي يُريح. شيء بينهما، وهو ربما الأكثر إزعاجًا.
قبل الحديث عن العرض، ثمة سياق لا يمكن تجاوزه. "سراب" وصلت إلى المركز الثقافي الملكي محمّلةً بنقاشات قد سبقها، تساؤلات عن تشابه لافت مع فيلم Mine وصل حد الشك في أصالة هذا العمل ، والحديث كان يدور بكثافة في الأوساط المسرحية قبل أن تُرفع الستارة. حين سألت المخرج المعتمد المناصير مباشرةً عن هذا، لم يتهرب. قال إن المدرسة الإخراجية التي اتبعها هي مدرسة ما بعد الحداثة، وإن من خصائصها تقنية الكولاج، القص واللصق من روايات وأفلام ونصوص شعبية وأي مصدر آخر، ثم تطوير هذه العناصر وإعادة تقديمها على الخشبة. وأضاف أن نص العرض مُركَّب من ثلاثة نصوص لبيكيت تحديدًا: في انتظار جودو وأيام السعادة ونهاية اللعبة، لا جملة كاملة مأخوذة من نص واحد، بل كلمة من صفحة وردّ من صفحة أخرى في عمل مختلف. حتى مشهد القرش الذي استوقف كثيرين أشار إلى أن مرجعه كوري.
الموقف إذن معلن ومدافَع عنه بمنطق نظري. لكن السؤال الذي يطرحه هذا المنطق على العرض نفسه لا على صاحبه هو: هل نجح الكولاج في خلق كيان مسرحي متماسك وأصيل في حضوره، أم بقيت خيوط المصادر مرئية بما يكفي لتشتت المشاهد عن التجربة وتشغله بالتعرف؟ هذا ما تجيب عنه الخشبة، لا التصريحات.
في الحقيقة لقد بدا المخرج واعيًا تمامًا للمرجعية الفكرية التي بنى عليها عرضه، خصوصًا حين تحدّث عن تقنيات الكولاج والتناص داخل مسرح ما بعد الحداثة، وهي أدوات باتت جزءًا أصيلًا من كثير من التجارب المسرحية المعاصرة. غير أن الإحاطة النظرية وحدها لا تُنهي الأسئلة التي يطرحها العمل بصريًا ودراميًا؛ إذ يبقى الحكم النهائي رهين قدرة العرض على تحويل مراجعِه إلى لغة خاصة به، لا مجرد الإشارة إليها. فالكولاج، بوصفه تقنية فنية، لا يُقاس فقط بما يستعيره، بل بما ينجح في إعادة خلقه ضمن بنية جديدة تمنحه استقلاله الجمالي. وربما لهذا السبب ظل النقاش حول بعض التشابهات حاضرًا بين الجمهور، لا بوصفه اتهامًا مباشرًا، بل بوصفه سؤالًا مشروعًا عن المسافة الفاصلة بين التأثر وإعادة التشكيل الفني.
وهنا يصبح السؤال: كيف تُترجم هذه المرجعيات النظرية إلى لحظات محسوسة على الخشبة؟ فالمسرح لا يُقاس فقط بما يعلن عن وعيه، بل بما يخلقه من أثر حيّ في عين المتفرج. في الثلث الأول من سراب، ثمة لحظة تشعر فيها أن الخشبة تحبس أنفاسها فعلًا. رجل وحيد، رمال تمتد خلفه، وصمت يتراكم ببطء في الأجساد قبل أن يصل إلى العقل. وقفت عند تلك اللحظة وفكرت: هذا العرض يعرف ما يريد. ثم مضت دقائق، وبدأت أتساءل.غير أن المسرحية لا تحافظ على هذا الوعد.
وإذا كانت تلك اللحظة الأولى توحي بأن العرض يعرف ما يريد، فإن جوهر الفكرة الدرامية يكشف عن استعارة أعمق: رجل محاصر فوق لغم في الصحراء، لا يستطيع التحرك، لا يعرف إن كان اللغم حيًا أم خاملًا، لا يملك إلا أن ينتظر. هذا الموقف لا يحتاج إلى تبرير درامي لأنه بطبيعته استعارة كاملة جاهزة. نحن نعيش منذ وقت طويل أسرى الاحتمالات أكثر من الوقائع. ما يُنهكنا في الغالب ليس ما حدث، بل ما قد يحدث. الخوف المعاصر لا ينتظر الكارثة ليبدأ؛ هو الكارثة نفسها، يسبقها ويحتل مكانها. اللغم المدفون تحت القدم هو القلق المزمن، هو كل شيء يجعل الإنسان يقف في مكانه لا لأن الأرض آمنة، بل لأن التحرك يبدو أشد خطورة من التجمد. "سراب" تمسك بهذه الفكرة وتعرف وزنها. المشكلة أنها لا تعرف دائمًا كيف توصلها إلى المشاهد الجالس في الصف الثالث.
الصحراء في بداية العرض تعمل. الإضاءة الأفقية والرمل والظل الذي يبدو جدارًا لا مجرد غياب ضوء، كل هذا يخلق مناخًا لا ديكورًا. لكن الصحراء كفراغ نفسي تحتاج أن تتحول مع تحول الشخصية، أن تتمدد حين يضيق خوفه وتنكمش حين يلتقط نَفَسه. لم يحدث هذا. الصحراء بقيت في معظم العرض خلفية جميلة وموحشة في الوقت نفسه، لكنها نادرًا ما دخلت إلى داخل الشخصية. بقيت خارجه. وهذه مشكلة كبيرة في عرض يُفترض أن يكون عن الداخل بالكامل.
بقاء الممثل في بقعة شبه ثابتة هو الرهان الإخراجي الأجرأ في "سراب"، وهو في الوقت نفسه أكثر ما أثار تساؤلاتي. الجسد المحاصر في المسرح ليس قيدًا تقنيًا؛ هو بيان درامي كامل حين يُوظَّف. الممثل الذي لا يتحرك يصبح عالمًا بأكمله، وجهه خريطة وتنفسه إيقاعًا. لكن هذا يشترط أن تمنح الكتابة والإخراج الممثلَ طبقات لا مجرد كلمات. في "سراب"، القيد الجسدي ظل معطىً واقعيًا أكثر من كونه لغة مسرحية. الممثل يقف لأنه فوق لغم. هذا مفهوم تمامًا. لكن الوقوف لم يتحول إلى شيء أكبر من نفسه. وفي مشاهد بعينها، حين كان يجب أن أشعر بثقل هذا التجمد، شعرت بشيء آخر: الملل يقترب.
الممثل الرئيسي يملك حضورًا حقيقيًا، وهذا ليس مجاملة بل نقطة انطلاق ضرورية. ثمة تحكم في الجسد وإدراك لمتطلبات الأداء الفردي. لكن النص والإخراج لم يمنحاه دائمًا ما يكفي ليبني عليه. بعض المشاهد تشعر فيها بطاقة لم تُصرف، بمساحة لو تُركت صامتة لقالت أكثر مما قالت حين امتلأت بكلام. والمفارقة أن الكتابة، في محاولتها مساعدته، أضرت به أحيانًا، قدمت له جملًا تشرح ما كان بإمكان جسده أن يقوله وحده.
هذا ما يمكن تسميته فخ التفسير. العروض التي لا تثق بقدرة الجمهور على القراءة المستقلة تقع فيه بلا استثناء. الحوار الداخلي المنطوق بصوت عالٍ وبهذه الكثافة يحوّل الهواجس إلى تقارير. وفي لحظات عدة جلست وأنا أفكر: لو أنه صمت الآن لكان أفضل. الصمت لم يأتِ. جاء بدلًا منه شرح آخر.
مشاهد الحيوانات البرية أعادتني إلى السؤال الإخراجي الأصعب: كيف تجسّد الخطر فوق الخشبة؟ الخيار الذي اتخذه المخرج، ممثلون يؤدون أدوار حيوانات مفترسة، هو رهان أعرف مخاطره جيدًا. ولو نجح لكان من أقوى ما في العرض. لكنه لم ينجح. الوجوه بقيت بشرية، والحركات تقليد أكثر منها خلقًا، وثمة فجوة واضحة بين ما أراد هذه المشاهد أن تفعله وما فعلته فعلًا. لا تهديد جسدي مقنع ولا رمزية اكتملت. المشهد بدا في أكثر من لحظة أقرب إلى تمرين في ورشة تمثيل منه إلى لحظة مسرحية ناجزة. وحين لا يُقنع الخطر الخارجي، يفقد الخطر الداخلي ثقله. الأمران مترابطان.
مشهد القرش تحديدًا يستحق وقفة منفصلة لأنه الأكثر طموحًا بصريًا في العرض كله، وربما الأكثر إثارةً للجدل في آنٍ واحد. حين يبدأ الدخان بالتسلل على الخشبة ويظهر الممثلون يزحفون ببطء حول الجندي وعلى ظهر كل منهم زعنفة، تشعر للوهلة الأولى بأن العرض وجد لحظته. الزحف الدائري وسط الدخان الكثيف يخلق فضاءً كابوسيًا حقيقيًا؛ الخشبة تضيق، الهواء يثقل، والجندي المحاصر يبدو فجأة محاطًا بشيء لا شكل له ولا اسم محدد. هذا بالضبط ما تحتاجه الهلوسة المسرحية: أن تجعل الخوف الداخلي كائنًا يطوف ويقترب ولا يمكن الإمساك به.
لكن المشهد لا يحافظ على هذا التوتر حتى نهايته. الرمز واضح من اللحظة الأولى، بل أوضح مما ينبغي. وحين يكون الرمز مفهومًا تمامًا منذ ظهوره، يتحول المشاهد من مشارك في الهلوسة إلى مراقب لها، يرى الصورة ويُقدّرها بدل أن يغرق فيها. الفرق بين الصورة الموحية والصورة المشروحة هو فرق بين لحظة مسرحية تسكن فيك ولحظة تخرج منها وأنت تتذكر تصميمها. هذا المشهد كان أقرب إلى الثانية. وتصميم الحركة، رغم فاعليته البصرية الواضحة، اقترب في بعض لحظاته من الاستعراض الجسدي المنفصل عن نبض الشخصية، كأن الجسد يؤدي مهمته بإتقان لكن بوعي زائد بنفسه. ومع ذلك، تبقى هذه اللحظة من أكثر ما يمكن تذكره بعد مغادرة القاعة، وهذا وحده يقول شيئًا.
وهناك شيء آخر لاحظته في تلك المشاهد: الجمهور من حولي بدا يتراخى. ليس كلهم، لكن كان ثمة حركات خفيفة في المقاعد، تنهيدات صغيرة، الانزياحات الطفيفة التي تعرفها جيدًا حين يبدأ الجمهور بالخروج من العرض دون أن يغادر القاعة.
الانتقال بين الواقع والهلوسة هو المحك الأصعب في هذا النوع من الدراما، وأيضًا أكثر ما أخفق فيه "سراب". حين يتفكك يقين الإنسان، يجب أن يتفكك معه منطق العرض. اللغة تتشقق، الحدود بين ما رأيناه وما تخيلناه تصبح مزعزعة. هذا الالتباس ليس خللًا؛ إنه الهدف. ما حدث في "سراب" هو أن لحظات الهلوسة جاءت معلنة ومؤطره: تتغير الإضاءة، تتصاعد الموسيقى، وكأن ثمة لوحة مضيئة تقول "ما ستراه الآن ليس حقيقيًا". هذه الإشارات تنزع بالضبط الشعور الذي يُراد خلقه. الهلوسة الحقيقية لا تُعلن عن نفسها. تأتي بوجه الواقع وهذا تحديدًا ما يجعلها مرعبة.
هنا تحديدًا بدأ العرض يفقدني.بدلًا من أن أشعر بالتدهور مع الشخصية، كنت أراقبه من بعيد وأنا أعرف متى سيحدث وكيف سينتهي. والمراقب لا يُصاب بالخوف. يُقيّم.
السؤال الضمني الذي يطرحه "سراب" على نفسه دون أن يدري هو: هل يستطيع المسرح خلق العزلة والتوتر الطويلين دون أن يقع في الرتابة؟ السينما حين تتناول الانهيار النفسي تملك أدوات لا يملكها المسرح: الوجه مكبَّرًا حتى يصبح كل رجفة في العين حدثًا، المونتاج الذي يقفز عبر الزمن، الصوت الداخلي الذي يُسمَع دون أن يُنطق. المسرح لا يملك هذا، لكنه يملك ما لا تملكه السينما: الجسد الحي في الزمن الحي، التنفس الذي يملأ الهواء بين الممثل والجمهور، البُعد الفيزيائي للخطر. حين يحاول المسرح تقليد السينما بأدواتها، يخسر. "سراب" في أحيان كثيرة بدت وكأنها تصنع فيلمًا فوق خشبة. الحوار الداخلي المنطوق يشبه الصوت خارج الكادر. التحولات الإضائية تشبه المونتاج. هذه الحيرة بين شكلين تُضعف كليهما في النهاية. الفكرة أفضل من تنفيذها المسرحي.
الإيقاع في "سراب" مشكلة أعمق من مجرد بطء في التنفيذ. التكرار في عرض يقوم على توتر نفسي متصاعد ليس خطأ مسامَحًا عليه؛ هو يستهلك خوف المتفرج بدل أن يراكمه. الخوف طاقة قابلة للنفاد، وكل مشهد يُعاد دون إضافة يأخذ جزءًا منها دون عائد. بحلول منتصف العرض تقريبًا، كانت بعض مشاهد الذروة تصل إلى جمهور استنفد جزءًا من انتباهه في لحظات لم تستحق كل ذلك الوقت. المشهد الذي يأتي قبل النهاية بقليل، وكان يجب أن يكون الأشد إيلامًا، وصل إليّ وأنا أحمل من الإرهاق ما يكفي لأن أتلقاه بهدوء أكثر مما كان يريد.
الإيقاع في المسرح ليس فقط سرعة الأحداث. هو التوازن بين الاحتقان والتنفيس. "سراب" عرفت كيف تشد، لكنها لم تعرف دائمًا متى تُرخي.
الإضاءة كانت أفضل ما في العرض، وأقوله بلا تحفظ. الضوء الأفقي الحاد، الظل كجدار، التحول من الدفء إلى البرود في لحظات التهديد؛ هذه لغة بصرية حقيقية يشعر بها الجسد قبل العقل. والتصميم الصوتي أسهم أحيانًا في بناء ذلك الفراغ الذي كان العرض يسعى إليه، خاصة في المقاطع التي آثر فيها الصمت على التصاعد الموسيقي. تلك اللحظات كانت الأصدق في "سراب". لاحظت أيضًا أنها كانت بالضبط اللحظات التي توقف فيها الممثل عن الكلام. ليس صدفة.
"سراب" كانت تملك ما يكفي لتكون تجربة نفسية قاسية ومؤلمة بحق. فكرة تحمل ثقلًا حقيقيًا، فضاء بصري يعرف دوره، وممثل قادر على حمل عبء الوجود الفردي فوق الخشبة. لكن العرض اختار في لحظات كثيرة أن يقول بدل أن يُشعر، أن يُوضح بدل أن يُلبس، أن يقود المشاهد بدل أن يتركه يضيع. وفي هذا النوع من الدراما، ضياع المشاهد ليس فشلًا. هو المكان الذي تبدأ منه التجربة الحقيقية. بقي العرض قريبًا من هذا المكان طوال الوقت. قريبًا بما يكفي لتأسف على المسافة، بعيدًا بما يكفي لتشعر بها.
وبعد كل هذا النقاش، لا بد من العودة إلى فريق العمل الذي قدّم سراب للجمهور. فقد جاء العمل ضمن مهرجان ليالي المسرح الحر الدولي في دورته الحادية والعشرين، على خشبة المركز الثقافي الملكي في عمّان، أيار 2026. تولّى الإخراج والسينوغرافيا المعتمد المناصير، فيما وقف على الخشبة كل من: مثنى القواسمة ,عمر أبو غزالة، رسول فيومي، محمد العمري، يزن الهواجدة، أحمد ديب. الموسيقى كانت بتوقيع المايسترو مراد دمرجيان، أما الفريق التقني فضمّ: رمزي جاد الله، كفاح قباجا، مكرم الكفويل، أحمد الساحوري، أمجد المراشدة. الديكور كان معتز كرامة.