كيف تتحول الكلمات إلى حياة؟ رحلة الدراماتورجيا في "طير السعد" مع قاسم محمد.
2026 ,14 أيار
محمد سيف: صوت العرب -باريس.
شهد مصطلح "الدراماتورج" تبلوره الفعلي خلال القرن العشرين بوصفه دالاً على ممارسة تجريبية عضوية تتخلل بنية الإنجاز المسرحي، وتندمج تدريجياً في حقل الإخراج ذاته. ولم يعد الكاتب المسرحي مجرد منتج لنص مغلق، بل صار مولِّداً لنص مصاحب (Paratexte) متحوّل البنية، يتشكّل عبر قنوات متعددة تستمد مادتها من الحجة النصية، ويُعاد نسجه باستمرار لإضاءة هذا النص وفق مقاربات تفسيرية ولعبية وجمالية متداخلة. إن هذا النص المصاحب لا يقتصر على كونه تمهيداً نظرياً، بل هو أيضاً رفيق إجرائي ودليل عملي لعمل الخشبة، ينهض بوظيفة إعداد البنية الدراماتيكية وتطويرها، ويتكفل بمرافقة المشروع المسرحي في مختلف مراحله، من الاختيار إلى الإنتاج وصولاً إلى التمثيل. وعلى الرغم من هذا الحضور المكثف، يحتفظ النص المصاحب باستقلاليته النقدية، إذ يظل قادراً على مساءلة النشاط المسرحي ومراجعته، سعياً إلى بلوغ أقصى درجات اكتماله الجمالي والدلالي. وفي هذا السياق، يمكن فهم ما أشار إليه برنارد دورت من أن مركز الثقل في الفعل المسرحي قد انتقل من النص بوصفه بنية مكتوبة إلى العرض بوصفه تحققاً أدائياً مفتوحاً، الأمر الذي يجعل الدراماتورج أقل ارتباطاً بالكتابة في حد ذاتها، وأكثر انخراطاً في مسار تحول النص إلى عرض، بكل ما ينطوي عليه هذا التحول من تعقيدات دلالية وتداولية. إن هذا التحول لا ينفصل عن شروط التلقي والتفسير الاجتماعي، إذ يتبدل المعنى بتبدل السياقات التاريخية والاجتماعية التي يُستقبل ضمنها العمل المسرحي. ومن هنا، يتسع مفهوم "النص المصاحب" ليشمل، وفقاً لجان ماري توماسو، مختلف الأشكال النصية والمواد المرافقة التي تعزز أثر النص أو تحيط به، مثل الإرشادات والتوجيهات التي يضعها المؤلف لتأطير اشتغال المخرج والممثلين، مما يجعل النص فضاءً مفتوحاً للتأويلات المتعددة. وفي ضوء هذا التحديد، يعرّف ميشيل راؤول ديفيس الدراماتورج المعاصر بوصفه شريكاً مكافئاً للمخرج، يسهم في تمهيد الطريق لكتابة سيميائية مركبة، لفظية وغير لفظية، ويتابع ديناميات العرض عبر رصد خطوط قوته وتحديد مجالات الإطناب فيه، بغية تسهيل تلقيه مستقبلاً ضمن أفق تعددية المعاني. فالمعنى، وفق هذا التصور، لا يستقر في تفسير بعينه، بل يتجلى في مجموع قراءاته الممكنة، ضمن نظام جماعي من التأويل. وبهذا المعنى، يقترب الدراماتورج من موقع المحلل بالمعنى السريري، إذ ينصت إلى "خطاب" النص في تحولاته، وانزلاقاته، وفجواته، محاولاً توجيه طاقته الكامنة والكشف عن طبقاته الدلالية المضمرة. إنه يشتغل على اللغة بوصفها مادة للعب والتوليد، ساعياً إلى صون تعددية المعنى، وحماية ثراء النص من الاختزال، بما يضمن انفتاحه المستمر على إمكانات التأويل وإعادة الإنتاج الجمالي. • مسرحية "طير السعد": تجربة دراماتورجية في التكوين والتطبيق تستدعي تجربة الاشتغال على مسرحية "طير السعد" مع الأستاذ قاسم محمد في معهد الفنون الجميلة نموذجاً تطبيقياً غنياً لمفهوم الدراماتورجيا بوصفها ممارسة حية تتجاوز حدود التنظير إلى فضاء التكوين العملي. فقد قُدِّم هذا العمل بوصفه نصاً مزدوج الأفق، موجهاً في آنٍ واحد إلى الطفل والمتلقي البالغ، الأمر الذي فرض وعياً لغوياً وجمالياً خاصاً في بناء الخطاب المسرحي. انطلقت العملية الإبداعية من "عمل الطاولة" بوصفه مرحلة تأسيسية لإعادة قراءة النص وإعادة بنائه، حيث وجّه الأستاذ الطلبة إلى الاشتغال الجماعي على تحويل النص من اللهجة العامية العراقية إلى اللغة العربية الفصحى. ولم يكن هذا التحويل مجرد نقل لغوي، بل كان فعلاً دراماتورجياً عميقاً، يهدف إلى إعادة صياغة المعنى وتوسيعه، بما يسمح لكل ممثل بأن يشارك في إنتاج حواره، ضمن ورشة جماعية يشرف عليها المؤلف/المخرج، في تداخل واضح بين الكتابة والأداء. وقد فرض هذا الاشتغال درجة عالية من الحذر والدقة في التعامل مع اللغة، من حيث اختيار المفردة، وبناء الجملة، وإيقاعها الداخلي، وعلاقتها بسياقها الدرامي. إذ كان التحدي يتمثل في إنتاج لغة تتسم بالبساطة دون الابتذال، وبالوضوح دون التسطيح، لغة قادرة على الجمع بين أفقين: أفق الطفولة وأفق النضج، دون الوقوع في المباشرة أو التفسير الزائد الذي يخلّ بتماسك البنية الدرامية أو يفضح دلالاتها. في هذا السياق، اصطدم الطلبة بتعقيدات متعددة، تمثلت في فضاء اللغة من جهة، وفي آليات بناء الحدث وتسلسله من جهة أخرى، فضلاً عن استيعاب مبادئ المحاكاة التي تقوم على تمثيل الأفعال النبيلة، وكيفية تجسيدها بصرياً وسمعياً، مع الإيحاء بما هو غير مرئي من أحداث سابقة أو مضمرة. كما برزت أهمية فهم دينامية الفعل الدرامي، حيث يسعى البطل إلى تحقيق هدف محدد، فيصطدم بعوائق تولّد الصراع، ومن ثم تُنتج العاطفة، سواء داخل الشخصية أو لدى المتلقي. وقد جرى التأكيد على أن الثلاثي المؤسس للفعل الدرامي يتمثل في: البطل، الهدف، والعقبة، وهو ثلاثي يكتسب فاعليته حين يُدمج ضمن شبكة من القضايا الحياتية والمتخيلة، التي تضع الشخصية أمام احتمالات الفوز أو الخسارة، بما يعزز من توتر الحدث وعمقه الإنساني. وقبل التوغل في تفصيلات هذه المقاربة، حرص قاسم محمد على ترسيخ البنية الأساسية للدراما بوصفها قائمة على: الشخصية، الأهداف، والحواجز. ثم انتقل إلى تفكيك آليات الكتابة المسرحية، مبرزاً عناصرها الجوهرية مثل: الصراع، العاطفة، بناء الشخصية وسماتها، وحدتها وتطورها، لغتها الخاصة، السخرية الدرامية، محليتها، وحيويتها، وصولاً إلى بنية الحوار وتأثيره في المتلقي. ولم يقف عند حدود التحليل، بل اقترح منهجاً عملياً لكتابة نص مسرحي جديد، ما جعل التجربة انتقالاً من التلقي السلبي إلى الممارسة الخلّاقة. وقد مثّلت هذه التجربة تحولاً نوعياً في وعي الطلبة، إذ اكتشفوا من خلال التطبيق أن الدراما ليست مجرد بنية نظرية، بل هي نظام ديناميكي قائم على الصراع بوصفه محركاً أساسياً. فالصراع قد يكون داخلياً يخص الشخصية، أو خارجياً يمتد إلى علاقة العمل بالمتفرج، وفي كلتا الحالتين ينبغي أن يكون مصدره واضحاً ومدركاً. ومن هذا المنظور، يتولد البعد العاطفي بوصفه نتيجة مباشرة للصراع، حيث تسمح الدراما بتمثيل مشاعر قد تكون مكبوتة أو محرّمة في الواقع، لكنها تجد في الفن فضاءً مشروعاً للتعبير. وهنا تتجلى قوة الأدب والمسرح في قدرتهما على نقل الألم، حتى الجسدي منه، عبر وساطة الخيال، بما يخلق أثراً وجدانياً عميقاً لدى المتلقي. وفي سياق هذه الكتابة المسرحية الجديدة، تبيّن أن الصراع يتخذ أشكالاً متعددة، من بينها: • الصراع الساكن: وهو ذلك الصراع الذي يُعاش على مستوى داخلي أو تأملي، حيث تعيشه الشخصية أو يتلقاه المتفرج في حالة من السلبية الظاهرة، دون أن يتجسد في فعل خارجي مباشر، لكنه يظل فاعلاً في تشكيل التوتر الدرامي وإغناء البعد النفسي للعمل. • الصراع الديناميكي (الحركي): وهو الصراع الذي يُعاش بوصفه طاقة فاعلة ومتحركة، تتجسد في أفعال وسلوكيات نابضة بالحيوية، حيث تتحول الدوافع الداخلية إلى أفعال ملموسة، وتدخل الشخصيات في شبكة من التفاعلات المتوترة التي تدفع الحدث إلى الأمام. في هذا المستوى، لا يكون الصراع مجرد حالة شعورية، بل يصبح فعلاً إنتاجياً يولّد المعنى ويعيد تشكيله باستمرار، عبر الاحتكاك المباشر بين الإرادات المتعارضة. ومن هذا المنطلق، يُعدّ الصراع عنصراً محدِّداً في البنية الدرامية، إذ تتولد عنه العاطفة بمختلف أشكالها، بما في ذلك الشفقة والضحك على حد سواء. فالضحك، في سياق التلقي المسرحي، لا يُختزل في كونه استجابة سطحية، بل هو عاطفة مركبة قد تنشأ حتى في مواجهة شخصية بغيضة، بما يكشف عن تعقيد العلاقة بين المتفرج والحدث. وهنا يتخذ التحديد الدرامي بعدين متداخلين: بعداً مفاهيمياً يسعى إلى تفسير السلوك، وبعداً عاطفياً يشتغل على إثارة الاستجابة الوجدانية. غير أن هذا التحديد لا يتحقق دائماً على نحو مفاهيمي واضح، خاصة في حالة "الشخصية الدنيئة" أو المثيرة للاحتقار، حيث يتعذر إخضاعها لتفسير عقلاني مكتمل، مما يفتح المجال أمام ما يمكن تسميته بـ "جاذبية الشر" ، أي ذلك السحر الغامض الذي يمارسه الشر على المتلقي، فيستفزه ويشده في آنٍ واحد. وفي هذا السياق، تستحضر الدراما مبدأ "التنفيس" أو "التطهير" كما صاغه أرسطو، حيث يُتاح للمتفرج أن يمرّ بتجربة وجدانية مكثفة تؤدي إلى تحرير مشاعره وإعادة توازنها. غير أن تحقق هذه الوظيفة العلاجية يظل مشروطاً بأن تعيش الشخصية ذاتها الصراع، لا أن يكون الصراع محصوراً في الآخرين أو مفروضاً عليها من الخارج. فالتجربة الدرامية تكتسب صدقيتها حين تنبثق من داخل الكيان الدرامي للشخصية، وحين تصبح معاناتها جزءاً عضوياً من تطور الحدث. ومع ذلك، قد ينزاح هذا المنطق أحياناً، بحيث لا يؤدي الصراع إلى تعميق الهوية، بل إلى نوع من الإشباع العاطفي المباشر لدى المتفرج، كما في حالة الفرح بمعاقبة الشرير. وهنا يتحول الفعل الدرامي إلى امتياز يمنحه المؤلف للجمهور، وهو ما كان قاسم محمد واعياً له في مقاربته الإخراجية. وفي أثناء عملية تحويل نص "طير السعد" من العامية العراقية إلى العربية الفصحى، كان قاسم محمد يتدخل باستمرار، لا لفرض صياغات جاهزة، بل لتوجيه الوعي الدراماتورجي لدى الطلبة، عبر شرح آليات الكتابة المسرحية، وتنبيههم إلى طبيعة الممارسة التي ينخرطون فيها. وقد انصبّ اهتمامه على تحقيق تماسك الخطاب المسرحي، والعمل على تركيب الجمل التي تستعصي على الصياغة، مع الحرص على أن تظل اللغة حاملة للفكرة لا مجرد وعاء لها. وكان يولي أهمية خاصة لما يمكن تسميته بـ "التوتر الجدلي" بين اللغة والإخراج والتطبيق، ذلك التوتر الذي قد يتحول فجأة إلى صراع مفتوح، يكشف عن الفجوة بين ما يُكتب وما يُنجز على الخشبة. ومن هنا، لم تكن عملية الترجمة مجرد نقل لغوي، بل كانت إعادة إنتاج للمعنى، واختباراً حقيقياً لقدرة النص على التحول والتكيّف. لقد أفضت هذه الممارسة الدراماتورجية المشتركة بين المؤلف والمخرج والطلبة إلى إعادة تعريف فعل الكتابة ذاته، بحيث لم يعد يقتصر على كيفية نطق الجمل أو أدائها، بل امتد ليشمل بناءها، وتوليد دلالاتها، وإبراز أفقها الفكري. وبهذا المعنى، غدت اللغة فضاءً إبداعياً يُصاغ فيه المعنى قبل أن يُنطق، ويُبنى قبل أن يُؤدّى، في انسجام تام مع الرؤية الدرامية الشاملة للعمل. وقد تبلور هذا النمط من الاشتغال الدراماتورجي بصورة واضحة خلال البروفات اليومية على الطاولة، حيث تحوّلت هذه المرحلة إلى مختبر حيّ لإعادة إنتاج النص عبر الأداء والتفكير الجماعي. ففي البداية، كان بعض الطلبة/الممثلين يفضّلون الاكتفاء بقراءة أدوارهم قراءة محايدة، دون الانخراط الفوري في التشخيص، غير أنّ تكرار القراءة- مرّة تلو أخرى- أفضى تدريجياً إلى تحولات ملموسة في طرائق الأداء والتفسير، بل وفي بنية بعض الجمل والحوارات نفسها، التي خضعت لإعادة صياغة مستمرة استجابة لمتطلبات الفعل المسرحي. وفي هذا السياق، كان قاسم محمد يتدخل بوصفه محفّزاً دراماتورجياً، لا لفرض قراءة جاهزة، بل لإثارة الشك المنتج لدى الممثل، عبر مساءلة أدائه ولغته. فقد كان يعتمد أسلوب الاستفهام الاستفزازي بوصفه أداة تحليل، من قبيل: "هل أنت متأكد مما تقول؟" أو "ماذا يحدث لو قُلبت الجملة أو أُعيد ترتيبها؟"، وهي أسئلة لم تكن شكلية، بل كانت تنفذ إلى عمق العملية الدراماتورجية، دافعةً الممثل إلى إعادة التفكير في المعنى، وفي علاقته باللغة والفعل. ومن خلال هذه المقاربة، كان يرسّخ وعياً أساسياً بطبيعة الخطاب المسرحي، مؤكداً ضرورة إدراك الممثل لجهة الخطاب: إلى من يتوجه الكلام؟ وكيف يُقال؟ إذ إن التلفظ بالجملة لا ينفصل عن مقصدها وعلاقتها بالآخر، سواء كان هذا الآخر شخصية داخل الفضاء الدرامي أو المتلقي الجالس في القاعة. ومن هنا، كان يشدد على أن الحوار بين الشخصيات على الخشبة هو في الوقت ذاته خطاب موجّه إلى الجمهور، عبر بنية لغوية مزدوجة تحمل مستويات متعددة من الدلالة. ولتحقيق هذا الوعي المركّب، كان يؤكد على أهمية الإصغاء المتبادل بين الممثلين، ليس فقط على مستوى السمع، بل على مستوى الفهم العميق لبنية الشخصيات وعلاقاتها، بما يتيح بناء ثقة جماعية تنعكس مباشرة في جودة الأداء. فالمعرفة المتبادلة بين الممثلين تُعد شرطاً أساسياً لتماسك الفعل المسرحي، ولقدرته على الوصول إلى متفرج قد لا يمتلك معرفة مسبقة بعالم النص أو شخوصه. وقد أفضى هذا الانضباط العملي إلى تقدم ملحوظ في إنجاز العمل، حيث استمر الاشتغال اليومي المكثف لمدة شهر كامل، بمعدل أربع ساعات يومياً، في أجواء اتسمت بالتركيز والالتزام، بعيداً عن التشتت أو الانشغالات الجانبية. وكان اجتماع الفريق حول الطاولة يشكل طقساً إبداعياً قائماً بذاته، تتقاطع فيه القراءة بالتحليل، والتجريب بالتقويم. وفي ختام هذه العملية التراكمية، خرجت مسرحية "طير السعد" إلى النور، وقد اكتسبت شكلاً جمالياً متماسكاً، أشبه بكائن حيّ تشكّل عبر الجهد الجماعي والتفاعل المستمر. وقد استمر عرضها لمدة شهر كامل على خشبة معهد الفنون الجميلة، ضمن صيغة مزدوجة في التلقي: عروض صباحية موجهة لتلاميذ المدارس الابتدائية، وأخرى مسائية لجمهور الكبار، الذي أقبل عليها بكثافة لافتة. وقد بلغت حصيلة هذه التجربة نحو ستين عرضاً، توزعت بين الصباح والمساء، في تأكيد واضح على نجاح المقاربة الدراماتورجية المعتمدة، وقدرتها على إنتاج خطاب مسرحي قابل للتواصل مع شرائح عمرية وثقافية مختلفة، دون أن يفقد تماسكه أو عمقه الدلالي..
 
2023 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون