مسرحية سراب: حين تتحول الصحراء إلى مختبر للوجود والمقاومة.
2026 ,09 أيار
فريال سويهي:صوت العرب – تونس.
احتضن مهرجان عبد العزيز العقربي بدار الثقافة "دوار هيشر"،  مسرحية "سراب" عن نص للكاتبة فوزية ضيف الله وسينوعرافيا واخراج حافظ خليفة. كان لهذا العمل الفني التونسي حضور مميز وطرح في جوهره مقاربات جمالية وضمنية حارقة.
اتخذت المسرحية من الصحراء بُعداً مكانياً، وعلى خشبة الركح التي شهدت مخاضاً وجودياً، اجتمعت ثلة من الشخصيات في المشهد الأول إثر عاصفة صحراوية عاتية. هي قصة نساء خرجن من الماضي بحثاً عن مستقبل جديد. ثلاث شخصيات لا يعرفن بعضهن، التقين في فضاء جديد غريب عما شهدنه سابقاً، مما حتّم عليهن الدخول في حيرة أنطولوجية.
جسدت الأدوار ببراعة كل من جميلة كامارا (ماتيا)، نزهة حسني (تانيري)، وخلود المونه التي تقمصت شخصية (سيليا). انطلقن في رحلة اكتشاف طبيعة المكان والتعرف على الذات والآخر، إلا أن النص الذي صاغته فوزية ضيف الله تجاوز الأبعاد التقليدية، ليقحم المشاهد في مخاض فلسفي يبحث عن طبيعة الإنسان. تجردت الشخصيات من حالتها المدنية، وعادت إلى الحالة الطبيعية الخام. حيث بدأ الصراع على الأكل والشرب باعتبارهما حتمية قصوى، حيث لا أثر لمظاهر الرفاهية. هنا تتجلى الطبيعة الإنسانية في صراعها البيولوجي للبقاء، وكأننا أمام تجسيد لمقولة هوبز "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، حيث تقضي الحالة البدائية بقتل الآخر للنجاة والبقاء على قيد الحياة.
فرض عليهن هذا المأزق نوعاً من التواصل والتفاهم لإيجاد حل مشترك، مما يحيل إلى أن الاجتماع الإنساني يتأسس على الحاجة المتبادلة للتجاوز.
وسط هذا التيه، يظهر مصباح (الخبير)، الذي أداه الفنان جلال الدين السعدي. تكتسب هذه الشخصية عمقاً درامياً من خلال خلفيتها، فهو رجل خمسيني يعيش في هذا المكان القفر منذ فترة، بعد سنوات من التجنيد في بلاد أجنبية، باعتباره متخصصاً في كشف الألغام.
يظهر مصباح بزي أبيض ناصع يخفي تحته زي الجندي، هذا البياض جعلنا نأمل مستقبلاً متجدداً بالخروج من الظلام إلى النور. ليقوم بدور الحكيم الذي جرّب الصحراء وخبر فواجعها. ورغم محاولاته الصادقة لحمايتهن وعرض المساعدة، إلا أنه يصطدم بجدار من التكتم، حيث تظل النسوة مرتابات ومتمسكات بقصصهن المكتومة.
تشبيه مصباح لسيليا بابنته الضائعة يحيل إلى المعاناة الاجتماعية وأزمة مفهوم العائلة. سيليا، تلك الفتاة التي تركت قصة حب منتهية الصلاحية ونتج عنها جنين في رحمها، فقدته حين وقفت على لغم في الصحراء وهي تحاول إيجاد سردية جديدة بعيداً عن ضوضاء الماضي. إن قوة النص تضعنا أمام تساؤلات حارقة. الماضي في الهروب من المجتمع والحبيب، ليكون الحاضر في الصحراء واللغم الذي اغتال الأمومة، فالمستقبل باعتباره الخيار الصعب بين التحدي أو الانتحار.
وهنا نتساءل: ألا يتقارب الحب والحرب في صراعهما مع الآخر؟ كلاهما استنزاف، الأول يستنزف الأهواء والعقل، والثانية تفتك بالمصير والحياة.
هل تمثل سيليا الضائعة الوطن التائه في صحراء الأنظمة السياسية؟ لعلها مقاربة تضعنا أمام أزمة العائلة المصغرة وأزمة مجتمع لا يعرف مصيره، ووطن غافل عن تأمين الحياة البيولوجية (Zoe) وكيفية العيش الكريمة (Bios) في ظل انهيار الأخلاق.
النص ملغم بالرمزيات، فالألغام في الصحراء وإصابة "سيليا" و"تانيري" عند محاولتهما الهرب نحو النور تحيل إلى تساؤلات تاريخية، لعلها توثيق لآثار الاستعمار والحقب السوداء (الرايات السود) التي تحيل الهيمنة والخضوع. تؤكد ماتيا ذلك بقولها "التي عاشت تحت الحرب لا تفهم معنى الحرية".
في المشهد قبل الأخير، يطلق مصباح عبارة تهز الوعي وتخلخل الطمأنينة "الحرب أوضح من الصحراء"، فعدو الحرب مرئي ببعده المادي والجغرافي وقابل للمواجهة، بينما الصحراء في سراب تمثل اللامرئي والغدر، وفضاء من عدم الوضوح الذي يبتلع اليقين. ومع نزع مصباح لملابسه البيضاء التي كانت توحي بالخلاص، نُصدم بزي الجندي الكامن تحتها، ليتجلى كرمز للسلطة أو الرقيب، مما يضعنا أمام سؤال أنطولوجي وسياسي حارق: هل حضور المستعمر أو المهيمن يستوجب بالضرورة انبعاث المقاومة؟
جاءت الإجابة صريحة وحاسمة، كإعلان عن بيان وجودي"الكلمة مقاومة والصورة مقاومة.. ضد الرايات السود". وهي دعوة لاستعادة الفعل الثقافي والجمالي كأدوات حصينة ضد التلاشي والهيمنة. هذا النزوع نحو المقاومة تجسد بعمق في دعوة مصباح للعودة إلى الجذور حين قال "فركسوا (ابحثوا) على حكاياتكم وتاريخكم"، محولاً رحلة البحث عن الهوية إلى مسار وحيد للنجاة من تيه الصحراء-الحرب.
ولم يقتصر هذا البحث على المعنى الفلسفي فحسب، بل تجلى في براديغم اللغة. حيث وظفت فوزية ضيف الله اللهجة الجنوبية بنبرتها الحادة والقاسية التي تماهت مع خشونة الصحراء، لتمثل تحدياً في التواصل حتى بين أبناء الجغرافيا الواحدة، كاشفةً عن الأثر السيكولوجي العميق للبيئة القاسية في تشكيل وعي الأفراد ولغتهم. هذا التماهي البصري والسمعي اكتمل مع أزياء آمال الصغير، التي لم تكن مجرد كساء، بل حاكت بألوانها الترابية تضاريس الجسد والمكان بصدق مذهل.
رغم أن قوة النص واكتساحه الركحي قد قلصا ظاهرياً من مساحة الأداء الكوريغرافي لكمال زهيو، إلا أن حضوره في المشهد الأخير كان انفجاراً تعبيريا. نطق للمرة الأولى، حيث لفت الانتباه بشدة نطق الكلمات الممزوج بارتعاشات جسدية دقيقة تجسد حشرجة الروح. لقد تحول الجسد هنا إلى ركح موازٍ، حيث توحدت النفس والجسد في لحظة انبثاق واحدة، ليكون الفعل الحركي هو الصرخة الأخيرة التي تتوج وحدة القول والفعل في هذا العمل الاستثنائي.
2023 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون