بين رعب الفناء وسخرية البقاء: قراءة في "مسرحية الموت "لأزهر الفرحاني.
2026 ,08 أيار
كافية الراجحي : صوت العرب - تونس 
يبرز اسم الفنان "الازهر الفرحاني" كأحد المبدعين الذين لا يخشون مواجهة الطابوهات أو اقتحام المناطق المظلمة في النفس البشرية. وتأتي مسرحيته "الموت" لتكون تتويجاً لهذا المنهج البحثي والجمالي، حيث لا يكتفي الفرحاني بتقديم عرض مسرحي تقليدي، إنه يضع الجمهور وجهاً لوجه أمام مرآة كاشفة لمصيرهم المحتوم، محولاً الخشبة إلى مختبر لوخز الوعي الإنساني. ورغم أن عنوان العمل قد يوحي بالقتامة، إلا أن المسرحية لا تتناول "الموت" بوصفه حدثاً بيولوجياً عابراً، بل تستحضره كحالة شعورية ووجودية معقدة. ومن خلال هذا المنطلق، يطرح العمل تساؤلات جوهرية حول كيفية استمرارنا في العيش ونحن ندرك نهايتنا، وما إذا كان الموت مجرد سكون مطلق أم هو صرخة احتجاج ضد واقع مهترئ. وبذلك، ينجح الفرحاني في تحويل فكرة الموت المرعبة إلى أداة لتحليل الحياة ذاتها، منتقداً الركود الفكري والاجتماعي الذي بات يشبه "الموت السريري" للمجتمعات المعاصرة.
واعتمد الفرحاني في مستوى الأداء البصري، على اقتصاد الكلمة مقابل بلاغة الجسد؛ فصارت السينوغرافيا بطلاً أساسياً في العرض، متسمة بتقشف مدروس يخدم فكرة الفراغ الوجودي. وقد لعبت الإضاءة والظلال دوراً محورياً في رسم الحدود الفاصلة بين عالم الأحياء وعالم "ما بعد"، بينما تميز الممثلون بقدرة فائقة على التعبير عن الألم والانتظار والتحلل الروحي عبر حركات كوريغرافية مدروسة، جعلت المشاهد يشعر بثقل الفناء كفيزياء ملموسة لا مجرد فكرة مجردة. إن هذا التوجه الفني يضع العمل بوضوح ضمن سياق المسرح التجريبي، حيث يرفض الفرحاني السرد الخطي التقليدي القائم على البداية والوسط والنهاية، مستعيضاً عنه بلوحات بصرية وصوتية متداخلة تكسر الجدار الرابع. ويهدف من هذا التداخل إلى توريط المشاهد في العرض، بحيث لا يبقى مجرد متفرج محايد، بل يصبح شريكاً أساسياً في طرح الأسئلة الوجودية الصعبة ومواجهة قلقه الخاص. ولا يتوقف العمل عند الحدود الفلسفية، بل ينفذ من خلالها ليقدم نقداً لاذعاً للواقع التونسي والعربي تحت ستار الرمزية. فالموت هنا يتخذ أبعاداً سياسية واجتماعية؛ فيرمز تارة إلى موت القيم الإنسانية في ظل الصراعات، وتارة أخرى إلى موت الأحلام لدى الشباب الطامح للتغيير، وصولاً إلى التهميش الثقافي الذي يعاني منه الفنان في مجتمعه. وتتجلى العبقرية البنائية في مسرحية "الموت" في اعتمادها بنية درامية دائرية ترفض الخطية التقليدية، لتعكس بذلك طبيعة الوجود المتكررة والأزلية. تبدأ هذه الرحلة من محطة الترقب القلق، حيث تُحاصر الشخصيات داخل شرنقة من الذعر الوجودي، وتعيش في حالة انتظار دائم لـ "الآتي" الذي لا يُرد، مما يخلق أجواءً مشحونة بالتوتر والسكون الحذر.
لكن هذا السكون لا يلبث أن ينفجر في لحظة المكاشفة العنيفة، وهي النقطة المركزية التي تتهاوى فيها كافة الأقنعة الاجتماعية والزيف الإنساني، لتجد الشخصيات نفسها وجهاً لوجه أمام "الحقيقة العارية" لمصيرها، حيث لا مجال للمناورة أو الاختباء خلف الرتب أو الألقاب. ومن رحم هذا التمزق النفسي، تنبثق المرحلة الختامية التي تتأرجح بين الاستسلام والتسامي؛ إذ تصل الشخصيات إلى ذروة التصالح مع فكرة الفناء، فلا يعود الموت في نظرها عدواً خارجياً أو صوتاً ناشزاً، بل يتحول إلى نغمة جوهرية ضمن "سيمفونية الوجود"، لينغلق القوس الدرامي على رؤية فلسفية ترى في النهاية اكتمالاً للدائرة لا انقطاعاً لها.
إن مسرحية "الموت" هي في جوهرها دعوة للحياة عبر بوابة الفناء؛ فهي عمل يربك الحواس ويستفز العقل، مؤكدة أن المسرح التونسي لا يزال يمتلك القدرة على التجدد وتقديم طروحات فكرية عالمية بلغة محلية صادقة. وأثبت الفرحاني أن الموت على خشبة المسرح ليس نهاية، بل هو في الحقيقة ولادة جديدة لوعي المتفرج ويقظة لمشاعره الخام
الكوميديا السوداء: سلاح المقاومة الوجودي في نص "الموت"
لا يكتفي الفنان التونسي الأزهر الفرحاني في مسرحيته "الموت" بتقديم تراجيديا وجودية جافة، بل ينسج خيوط عرضه بأسلوب الكوميديا السوداء (Black Comedy)، ذلك النوع الفني الذي يستخرج الضحكة من قلب المأساة، ويجعل من "الموت" – الحقيقة الأكثر رهبة – مادة للسخرية المريرة. إن الكوميديا هنا ليست غاية للترفيه، بل هي وسيلة دفاعية وجمالية تهدف إلى تعرية الواقع وكسر حدة العدمية التي تغلف العمل. وتتجلى الكوميديا السوداء عند الفرحاني في المفارقة الصارخة بين قدسية الموت وعبثية التفاصيل اليومية؛ حيث يُقدم الموت على الخشبة لا كجنازة مهيبة، بل كحدث "روتيني" أو حتى "مضحك" في تكراره وبيروقراطيته. هذه السخرية تخدم غرضاً فلسفياً عميقاً؛ فهي تكسر هالة الخوف من المجهول، وتدفع المتفرج إلى الضحك على عجزه الشخصي. حيث تصبح النكتة هي الصرخة الوحيدة الممكنة في وجه الفناء. ويبرز التهريج المأساوي في حركات الممثلين وانفعالاتهم؛ فالمواقف التي ينبغي أن تثير البكاء يتم معالجتها بحس ساخر مبالغ فيه، مما يولد شعوراً بـ "الغرابة" لدى المتلقي. هذا النوع من الكوميديا يعمل كأداة نقدية حادة للواقع الاجتماعي والسياسي؛ فالسخرية من الموت في المسرحية هي في جوهرها سخرية من "موت الإرادة" ومن الأوضاع المعيشية المتردية. ويستخدم الفرحاني الضحك الأسود كمرآة عاكسة للقبح، ليقول إن المجتمع الذي يفقد القدرة على التغيير، لا يملك سوى السخرية من مصيره المحتوم.
علاوة على ذلك، تلعب الكوميديا السوداء دوراً في تخفيف التوتر الدرامي تارة، ومضاعفته تارة أخرى. فبينما يضحك الجمهور على موقف عبثي، يجد نفسه فجأة أمام حقيقة مؤلمة تجعله يرتد عن ضحكه، وهو ما يسمى بـ "الضحك المقموع". هذا التذبذب بين الفكاهة والألم هو ما يمنح مسرحية "الموت" زخمها وتأثيرها النفسي العميق، إذ يجعل المشاهد في حالة يقظة ذهنية مستمرة، متسائلاً: "هل ما أراه مضحك حقاً، أم أنني أضحك على بؤسي الخاص؟". فتظل الكوميديا السوداء في رؤية الأزهر الفرحاني هي الخيط الرفيع الذي يربط بين اليأس والأمل. إنها صرخة احتجاج بصرية تؤكد أن الإنسان، حتى وهو يواجه نهايته، لا يزال يمتلك القدرة على التندر بضعفه، محولاً الهزيمة الوجودية إلى انتصار فني ساخر يرفض الاستسلام للصمت المطلق. وفي حوار للمخرج الأزهر الفرحاني قال: "الواقع بلغ من السواد حدا لا يطاق... الموت كوميديا سوداء عبث وجودي تضع المتفرج داخل السؤال وسط فضاء مسرحي (مقبرة منسية) مجرد وفقير في ظاهره لكنه غني دلاليا ورمزيا يصبح فيه الجسد والصوت والصمت عناصر أساسية في خلق المعنى. والموت كوميديا سوداء صادمة ساخرة موجعة مضحكة مبكية مربكة وجامعة بين التراجيديا والكوميديا بكاء إلى حد الضحك وضحك إلى حد البكاء وتعرية لواقع مرير ومجتمع متهرء ووطن مسلوب ومستقبل مبهم ومجهول.
هي ضحكة تختنق في الحلق نابعة من عبث الحياة وخرابها
هي ضحكة تحرك التفكير وتفضح الخراب اليومي للحياة
الموت تضحك لكنها تتركك تفكر طويلا وربما تبكي بصمت
الموت سخرية دامعة تشبه الكوميديا السوداء في أقسى حالاتها". وتجلت مسرحية "الموت" كعمل إبداعي متكامل، انصهرت فيه الفلسفة بالنص والأداء؛ فبينما نسج الكاتب نور الدين الهمامي ببراعة خيوط نصٍّ يغوص في أعماق القلق الوجودي والكوميديا السوداء، جاءت رؤية المخرج الأزهر الفرحاني لتبث الروح في هذه الكلمات، محولةً الخشبة إلى فضاء دائري تتصارع فيه الحياة مع حتمية الزوال. وقد برزت قوة العرض في التناغم العالي بين الممثلين (عبد السلام البوزيدي ونور الدين الهمامي)، اللذين استطاعا تجسيد تلك "الرقصة الوجودية" ببراعة فائقة. لقد نجحا في الانتقال بالشخصيات من حالة التمزق والترقب إلى مواجهة الحقيقة العارية بصدق أدائي مذهل، محولين الضحك المر إلى حصن للمقاومة. وبهذا التكامل بين رؤية الفرحاني الإخراجية وقلم الهمامي وأدائهما التمثيلي، لم تعد المسرحية مجرد عرض عن النهاية، بل أصبحت احتفاءً بقدرة الفن على التسامي فوق الفناء وإيجاد المعنى في قلب العدم.
خلاصة القول إن مسرحية "الموت" هي محاولة سينوغرافية وفلسفية لترويض فكرة الفناء. إنها دعوة للتأمل في "الهنا والآن"، وإدراك أن كل لحظة نعيشها هي انتصار مؤقت، ورقصة أخيرة على حافة الهاوية، مما يجعل للوجود قيمة تتجاوز مجرد البقاء
 
2023 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون