**يوسف الحمدان:صوت العرب – المغرب.
لا تقربوا المسرح وأنتم عقلاء ..
فالمسرح إن لم يمسّه مجنون ، فهو فن بليد ومعطوب ، فمن الحمق أن تعبر عن مشاعر جديدة بقوالب محكمة ، إذ أن الفكرة في المسرح ليست في أن تكون ، بل في أن تصبح ، في أن تتشكل وفق رؤى غير محكمة ولا مستحكمة ، رؤى تذهب بالحلم والمخيلة إلى أقاصي مدياتهما ، فالحلم والمخيلة منتجان رئيسيان للإبداع ، أو إن صح التعبير ، للجنون الخلاق في المسرح ، ومن كان منا بلا مخيلة أو حلم فليرمي نفسه بحجر ، فالمجانين الخلاقين في المسرح هم الغاوون والمؤثرون ، سواء انطلق هذا الجنون من مجون التجربة والمخيلة ، أو انطلق من الذات المجنونة الخلاقة ، أو انطلق من قلق الذات المجنونة وهوس التجربة المبدعة وشطوحاتها اللا متناهية معا ..
فمن يزعم مثلا أن فانجوخ غير عاقل بجنونه عندما قطع أذنه وأهداها لعشيقته ؟ ألم تتحول معاناته هذه إلى لوحة أثارت العالم كله وأقلقته بجنونها الخلاق ؟ .
من يزعم أن مايكل أنجلو غير عاقل بنبوءته الإبداعية عندما ألح على منحوتته داوود بأن تنطق وتستجيب لهوى وجنون إزميله عندما أنجزها ؟
هل كان المخرج المبدع المجنون البحريني عبدالله السعداوي عاقلا عندما قرر الإنتحار في البحر ليكتشف أنه قادر على السباحة ضد التيار في المسرح ؟ أليس السعداوي بمبدع مجنون عندما يكون خارج المشهد وفيه ، متعريا إلا من خرقته ومتدخلا في المشهد بغية إحداث ردود غرائبية توازي غرائبية وجنون أفعاله المسرحية ؟
هل كان الروائي المغربي المبدع محمد شكري الذي ضمن سيرته المجنونة في رواياته حتى أصبحت مادة مغرية مغوية لمخرجين مجانين ، ولا يمكن أن يتصدى لنص مجنون من نصوصه مخرج عاقل لا يعي جنونه الخلاق وهو يتخلق في رواياته عبر ذاته المقهورة ؟
هل كان الشاعر والمسرحي المصري نجيب سرور بمعزل عن هذيان ذاته الحرة الخلاقة بعد وصوله إلى درجة الجنون الصريح الفاضح في أيامه الأخيرة ؟
هل كان قيس مجنون ليلى الذي تخيل محبوبته أو مجنونته ليلى في كساء الكعبة عاقلا ومرشدا للقبائل كما كان غيره ، أم كان مجنونا يجد ملاذه الأخير وحريته الأخيرة في حبه لليلى رغم أنف القبيلة والمقدس ؟
ألم تخشى القبيلة الجنون بوصفه تمردا وحرية على أعرافها ، فاعتبرته ضلالة وتارة بدعة ، وكل بدعة في النار ؟ أليست مصادرة الفكر في عالمنا العربي هي سبب من أهم أسباب تخلفنا عن اللحاق بركب الجنون الخلاق ؟ أو ليس ذلك أيضا إسهام في خلق جنون خلاق لو فتحت إساره على متسعه لكان الجنون نفسه ميزة للإبداع في مجتمعاتنا العربية ؟ فكلكم مجنون وكل مسئول عن جنونه فقط ..
أليس إيفان تشيكوف المنسلخ في قصته ( عنبر رقم 6 ) أو تروبولوف في في مسرحيته ( طائر البحر ) أو النورس بمجنونين ؟ فهل كان تشيكوف بمعزل عن هذا الجنون الخلاق ؟ ، ألا تحتاج هاتان الشخصيتين مخرج وممثل مجنونين حد التعقيد القهري فيما بعد علم النفس يستطيعان أن يدخلا أعماق هاتين الشخصيتين الصعبتين المعقدتين المركبتين الإشكاليتين ؟
أليس هذا الجنون الخلاق هو من شكّل الروح المتجاوزة لدى أنتونين أرتو وألفريد جاري وبيرو وسترندبيرج والسيرياليين كلهم وعلى رأسهم سلفادور دالي الذي أعلن ذات جنون أنه السيريالية ذاتها ، أليس هم من دعوا الجسد والذات والأشياء للتمرد والخروج على القوانين والثوابت العليلة العقيمة السقيمة ؟ .
أليست ( ألف ليلة وليلة ) حكايات يرويها ، أو إن صح الجنون ترويها مبدعة مجنونة حرة اتخذت الليل فسحة لتجليات مخيلتها ، أبرزت من خلالها كل الجنون والمجون والقهر والاستعباد والتحرر الذي يترنح بلا حدود في فسح ليالي الصمت والجهر والستر والتستر في عالمنا العربي ؟
هل كان وليم شكسبير بمعزل عن طفح العفن في الدنمارك عندما تلبس حالة الجنون والهسترة والتأمل اللامحدود في مستنقع دود هذا العفن ، تلبسها في هاملت وحفار القبور وماكبث والليدي وجنياتهما والبهلول في الملك لير ؟
كثر هم المؤلفون والمخرجون الذين كتبوا وجسدوا وعقلنوا نصوصهم وعروضهم بأكثر مما يجب وادَّعت أو زعمت أنها جسدت الجنون وهي التي قد قدمته بشكل ظاهري طفحي ممجوج ومزعج وباهت ..
أنا لا أتحدث عن الجنون الحقيقي المرضي أو المتظاهرين بالجنون ، فالجنون هو الانفلات والتحرر من أغلال الواقع والوعي ، حيث أن الوعي يكون مكبلا للعملية الإبداعية والإبتكار .
أنا لا أرمي بهذه الأسئلة أو التساؤلات توثيق تاريخ للجنون ، وهل للجنون تاريخ إذا كان هو سيد الإبداع الذي يعصف بالأزمنة والأمكنة ليفسح المجال رحبا واسعا أمام حصان المخيلة الجامح الذي لا يحده حد أو حاجز أو مضمار ؟
هو الجنون الخلاق سيد الفتنة والإغواء والمخيلة وعدو التاريخ في حيزه الوثائقي المغلق .
هناك شعرة رفيعة جدا ـ كما يقال ـ بين العبقرية والجنون ، ولكن هذه الشعرة التي تقصم ظهر البعير ، لا يمكنها أن تقصم ظهر مبدع مجنون ، ذلك أنه وُلد بشعرة لا بظهر ، فالجنون في اللاحدود ـ كما أرى ـ هو المغامرة في أقصى مدياتها ، هو تجاوز السائد والمستقر والمطمئن ، هو خلق الرؤية التي لم نتخيلها قط أنها ستحدث ، أليس الجنون هو المخفي أو المستتر بمعنى الجن ؟ أليست " كلام الليل " هو فسحة الجنون والتمرد لدى الجبالي ، هو " كرتنة " السلطات والانتهازيين والأذيال ، لا فسحة الفضفضة المنسية المجانية وفق المثل السائد لدينا ( كلام الليل يمحوه النهار ) ؟
إن الحكمة في رأيي تولد من رحم الجنون ، وهناك فرق شاسع بين من يكون مجنونا في إبداعه ومن يكتب الجنون في إبداعه ..فتوفيق الجبالي في أغلب عروضه إن لم تكن كلها مجنونا فنناً منحرفا عن جادة الصراط المستقيم وتوَّج ذلك بعرضه المجنون لجبران خليل جبران الذي سنعرض له في هذه الورقة بوصفه أنموذجا للجنون الخلاق .
المسرح والجنون ، وهل كان المبدعون يوما عقلاء ؟ .
لنذهب إذن إلى يوحنا المجنون لجبران وحكايته مع العجول وأسقف الدير الذي يطلب منه المال وترك همِّ عجوله التي يرعاها ، لنذهب إلى مجنون جبران وجنون الجبالي ، إلى الذي جاس الجنون في أغلب مسرحياته بروح متوقدة مستفزة خلاقة حتى جنون آخر ، فكيف قرأ مبدعنا الكبير الخلاق حد الجنون والتجاوز للمسميات والمصطلحات والمفاهيم توفيق الجبالي ؟ كيف تصدى لنص مجنون تداخلت فيه كل أنواع الكتابة والأدب ، من حكايات وقصائد ونثر ورموز تجاوزت الخمسة والثلاثين : كيف حول هذا الهذيان إلى حالة متجسدة في فضاء العرض أسئلة وجنونا وتجاوزا ؟ كيف شاخص وجاس هذه الذات المجنونة في مجنون جبران ومجنونه وعبر بهما سراب الكون والله ؟ كيف جسد الملفوظ الصعب لما وراء نقاب العقل من أسرار ؟
إذن ما العقل ؟ ما الجنون ؟
مجنون جبران وجنون الجبالي ..
ليست العبرة في الغالب في كل العروض التي يستضيفها المهرجان، إنما العبرة قد تكون في عرض مسرحي واحد وحيد، يشكل اتجاهًا نوعيًا واستثنائيًا في المسرح، ويفتح أفقًا يتجاوز في معطياته ودلالاته الفكرية والفنية، التوصيفات الإبداعية التي نلهج بها كلما شاهدنا عرضًا مسرحيًا لافتًا، وأسرًا في مفرداته وعناصره الخلقية.
هكذا قرأت أفق (المجنون) لساحر الصورة الحية الخلاقة والمتشظية والمتفلتة والمحيرة والمبهمة والمورطة، توفيق الجبالي، حيث تتحول كل مفردات وعناصر الخلق المسرحي، من صوت ولون وتشكيل ونحت ورقص وسمهجات وهلوسات وحكايات وموسيقى وذبذبات ووشوشات وتجليات صوفية مهووسة بالذي لن يأتي ولن يستقر، تتحول إلى صورة حية تختزل كون جبران، وتضعه في محور فلكي يشبه درب التبانة، حيث لا تميز الضوء عن السديم، ولا حركية الكون عن ثبات محورها وتفلته.
إن اشتغالات الجبالي المخبرية القلقة في المسرح، غالبًا ما تقترح على مؤديها ومتلقيها، لغة هي من (الجنون) الذي لا يأبه بالتوصيف أو التصنيف، ولا يأبه بالتوضيح أو الغامض والمبهم.
هي لغة ليست في وارد التعاطي مع المسرح بوصفه فعلاً ممثلاً وفضاءً للتمثيل أو التمسرح، إنما هي لغة اشتباكية مع الأحياء والأشياء، مع النقائض والمتضادات، مع المخفي بوصفه أكثر (جنا) من المخفي ذاته، مع الوهم بوصفه حلمًا، ومع العذابات بوصفها مسارات لا حدود لانتهائها ولا ملامح لأسرار منابعها.
إنه يلج بنا إلى ذرى أمواج يصعب علينا تخطف طشارها الزبدي، وإلى استقصاءات مخبرية تتجاوز حصرها في البحث الجسدي السائد، إذ كل الحالات في (مجنونة) الخلاق المتفلت، هي في كل حالة منها استقصاء مخبري، ففي الوقت الذي ترعف فيه أجساد ودواخل خيوله الحرة، بما يعتمل بها من قلق ومحاولة للهروب نحو الفضاء الأكثر تحررًا، في الوقت ذاته يكشف لنا ليلها الخلاق عن مبهمات لكائنات يكتسبها ظلام مريب وملبس، وكما لو أن هذه الحيوات المبهمة ضلالات تحيا في جوانح كمائن هذه الأجساد (الخيول)، وهذا الظلام المتعدد الحيوات والمبهمات والأوهام والدروب الغرائبية المريبة.
إن الجبالي لا يعنيه أن يكون الممثل في (مجنونة) و(جنونه) محورًا كي يتحقق العرض، ولا تعنيه التماثلات المرتبة كي تتحقق النتائجية البصرية والصوتية في العرض، يعنيه أن يكون المسرح، وإن لم يكن الفضاء، تعنيه الحالة التي من شأنها أن تنتج حياة في المسرح، وإن لم تكن حية بالمعنى البيولوجي أو المادي، تعنيه اشتباكات الأزمنة النفسية والميتافيزيقية في حيزها الأكثر مواربة وقلقا وحيرة.
لذا حتى لو كانت الأصوات المسجلة والوشوشات والذبذبات وحدها تتملك فضاء العرض أو فضاء الجنون، فمن شأنها أن تنتج وتشكل عرضها وأفقها.
كل الأجساد في هلوسات الشاعر المجنون (جبران والجبالي)، صورًا حية، تتآخى وتتقاطع مع كل الكائنات الأخرى في العرض، كما أنها صور تتمنتج في الآن ذاته، ويخبو وهجها في الآن ذاته أيضا، ويظل بحثك عنها، هو بحثك عن الصور التي ضلت طريقها في مخيلتك البصرية.
وتظل تبحث وتبحث، تصعد وتهبط، وكما لو أنك سيزيف الجنون الكوني الذي أومضه الجبالي في لحظة صورية بصرية هائلة الضوء والعتمة والريبة، لتبدو أمامه متكا الأثر الأول لقدم الصعود نحو سلم العذابات الكوني، ونحو أمل يأخذنا نحو الصعود إلى الهاوية.
يستحضر (جنون) الجبالي سيزيف كوننا المضني في لحظة برقية مؤثرة، ليظل في كل وهلة ماثلا بقوة في دواخلنا، ولتتشكل من بين محيط عتمته (التبانية)، أفضية صورية تتجلى في نثار ضوء هنا يخطف أعيننا نحوه للحظات ومن ثم يخبو، لتتشكل معه مواويل حزن تأتي من بعيد قاع ذاكرتنا ومخيلتنا، لتستقر في ذاكرة ومخيلة حضرت اللحظة، وتجاوزتنا إلى لحظات غريبة ظلت تشاغب أوهامنا، وستظل حتى قاع أخرى أشد شراسة وفتكا لتكهناتنا بمصيرها ومصيرنا.
هو الليل، هو الظلام، هو سحر اللون، هو منبلج الخلق والكون والصورة، هو الصوت المبتدى واللامنتهى، هو نحن والآخر وما بعد الآخر، هو شاشة المسرح والفيلم والوهم والحلم، هو ورطة لعبة (البازل) التركيبية والمركبة التي اختزل فيها (جنون) الجبالي رؤية أخرى جديدة لبورتريه جبران خليل جبران، ليتماهى في حيزها غير المكتمل (المجنون) و(الجنون)، ولينتج من خلالها الجبالي أفقًا جديدًا وخلاقًا وساحرًا في عالمنا المسرحي بكونيته المنفتحة على رؤى نحلم يوما أن نحقق شظايا صورة منها.
ونموذجنا الآخر للجبالي في حضرة هذا الجنون المدهش الخلاق ، عرضه التالي للمجنون والذي كفر فيه بأساتذة العلاج العقلي والنفسي من أمثال فرويد في وطننا العربي ووقف فيه على نشزنة الواقع بأوتار مسرحية مجنونة خلاقة ..
على هواك .. نشزنة الواقع بأوتار مسرحية مجنونة
إن لم تكن مغايرا مشاكسا شاطحا جسورا مغايرا ملتبسا مجنونا فأنت لست أهلا لأن تكون في حضرة غواية توفيق الجبالي اللامتناهية في استمرائها للخروج على محفات السكون والمألوف والمعتاد والمتوقع .
هكذا وجدت نفسي في ورطة لذّوية مشاكسة للعين والحواس والرؤية والمخيلة وأنا اشاهد عرضه المسرحي الجديد ( على هواك ) على خشبة مسرح التياترو .
إنه عرض تتداخل فيه كل أشكال وأنواع المسرح والرؤى الفلسفية التي عهدناها وعرفناها والتي يستعصي علينا إدراكها وفهم بعضها في كثير من الأحيان ، ولكنه في نهاية الأمر يؤسس لتجربة مغايرة تماما لا تنتمي إلا لمنجزها ومبدعها توفيق الجبالي ، وكما لو أنه يمعن النحت في جسد يختزل كل المتضادات في تضاعيفه الملموسة والواضحة والدقيقة والمبهمة ليكون أي شيء إلا أن يكون هو في هيئته الأولى قبل أن يستكشف الإزميل قشرته الأولى .
في هذا العرض يستضيف الجبالي كل هذه الأشكال والأنواع والرؤى ليمعن أكثر فأكثر في نَشْزَنَة ( نشاز ) الواقع العربي بمختلف سلطاته وأنماطه وأطيافه بأشكالها العمودية والأفقية والسفلية والمتداخلة والمركبة والمهجنة ، متكأ في ذلك على أداء مؤتمت لا بشري في صوغه التخييلي ، بحيث يلتئم نشاز الموسيقى بنشاز الجسد بنشاز الصوت بنشاز فضاء العرض برمته ، لونا وضوءا وإظلاما وزيا وحركة ، وكما لو أنه يشكل كل هذه الأفضية لتصبح برمتها محور النشاز الرئيسي الحي الذي تندغم في انشطاراته الغرائبية كل مفردات العرض .
إن هذه النشزنة التي تحتل فضاءات العرض المسرحي والتي دفعتني إلى أن أخشى حتى من الكراسي الممسرحة ( الإرشيفية ) التي تستقبلنا في بهو المسرح قبل الدخول إلى العرض حتى لا أصبح شاهدا على جريمة لم أرتكبها وحدي شخصيا ، اتكأت على أشكال تمعن في نشزنتها أكثر بشكل ساتيري وغروتسكي مضحك ساخر موجع ومفجع ، ومن بينها فنون الفودفيل والكباريه والمرتجلات الأقرب لفنون مسرح الشارع والتي تمكن الجبالي من أن يؤسس من خلالها هذه المفارقات الحادة والغرائبية التي تمكن من خلالها أيضا لأن يدشن اشتغاله الرؤيوي على نشزنة الواقع وتكوين رؤية جديدة من خلالها قد نطلق عليها كوميديا النشاز .
ولعلنا نلحظ هذه المفارقات النشازية في سخريته من البيداغوجيا العربية التي تهجن خيول الإبداع ولا تطلقها وذلك من خلال الفرقة وتقديمها لمعزوفات تعليمية وطنية نشاز ، ومن خلال الآلات الموسيقية المؤنسنة التي تحولت إلى لوحة جمالية مفجعة عندما حولها الجبالي إلى جنازة وكما لو أن أوتار الحياة والإحساس والجمال قد ماتت في دواخلنا ، ومن خلال تماهي الشخصيات النشاز مع العزف النشاز ، ومن خلال الغناء النشاز بالرقص النشاز بالأداء النشاز ، ومن خلال الغاء الزمنية في عالم النشاز ، ومن خلال تحويل المسرح الى كَفَن كبير ينقض حالته النقائية المفترضة ، ومن خلال السخرية من الخطاب المُبروَز وخاصة لدى الشاعر والمرأة المنتهكة ، ومن خلال تأنيث الشاعر بحذاء المرأة ، ومن خلال لوحة النوتة الموسيقية التي لا تكمل لحنها ، ومن خلال الكونترباص الذي تغزو نغمات أوتاره حالات الموت وهو في أشد لحظات حنينه لأن يحيا ، ومن خلال المسرحية كلها والتي تتكلم نشاز موسيقي بامتياز .
إنه يحول الانسان في هذا العرض إلى كائن موسيقي دونه يموت أي نغم أو نبض في الحياة .
هل كان الكائن الأعمى المبصر وراء كل هذه الكارثة البلانشوية بامتياز ؟ هل كان الروائي البرتغالي خوسيه ساراماغو أو موريس ميترلينك حاضرين بعميانهم في هذا العرض ؟ أم كانت للجبالي رؤية أكثر عبثية من خلال عميانه من عميان ساراماغو وميتر لينك ؟ .
إنه في هذا العرض يستحضر من خلال مؤديه العميان ذاكرة مرئية مشوشة نشاز يعجز حتى عالم النفس الشهير فرويد عن فهم مفرداتها العلاجية والذي استحضره الجبالي ليمعن في تعميق هوة المفارقة والإمعان في مشاخصة التكوين البشري وكأنها في لحظات تتحول إلى حالة كافكاوية مسخية أو حالة يونسكوية مخرتتة ، وهي بذلك أشبه بالحب المجهض وكما لو أنها المضاجعة التي لا تكتمل كما تمكن وبحرفية عالية الجبالي من تجسيدها أمامنا في عرضه .
ويمعن الجبالي في إبراز هذه الحالة المسخية في أشكالها الكاريكوتورية من خلال تقاطعه المشاكس مع فلسفة الموت لدى تادوش كانتور ، وذلك بتحويل كائناته الأدائية إلى ماريونيت مسلوبة الهوية والإرادة ، ليعري من خلالها العقل والواقع معا ، مشتغلا على أتمتة الأداء الريبوتية وكأننا مجتمعات مسلوبة الهوية والشخصية والإرادة ، إذ كل الأنظمة ساقطة لأنها قتلت هويتنا ولم تعد قادرة على تبرير وجودها وهويتها إلا بمزيد من القتل لذواتنا وهوياتنا ، لذا يعدد الجبالي ( لاءاته ) الرفضية والعبثية درءا لاستنزاف هذه الذات المهجرة والمدجنة ، ليصل بالفعل المسرحي إلى أقصى بلاغة في العرض من المنطوق بالملفوظ ، بل إلى درجة يحاكم فيها الضوء والفراغ لدى العميان وكما لو أنه كمين لكارثة جديدة .
في هذا العرض تتوالد اللوحات القهرية كما يتوالد الدود في الجثث العفنة ، إذ معها لا يمكن الحديث عن أزياء تسمح بعزل الجسد عن غطائه ، بقدر ما يمكننا الحديث عن الاستزياء بهذا الجسد العاري المكشوف والمفضوح .
إنها مسرحية تبدأ من عميان يتخيلون الجوقة لتصبح الجوقة أكثر حضورا في مخيلتها من الواقع حيث يستشري المرض ويستفحل في جسد اللعبة كاملة ، إنه يحيي الحالة الظلامية من خلالهم ويفضحها في وضح النهار ، لنتبين أن النهار أشد حلكة من الظلام بهؤلاء المبصرين العميان ، وليجعلنا نرى هذا النهار بوصفه ظلاما وإن سطعت ولمعت أضواؤه أو ظلالاته .
إن الجبالي يستثمر كل مفردات الأبيض بمختلف درجاته ليحيله إلى فضاء سينوغرافي متعدد الدلالات والقراءات ، بدءا من الشاشة التخييلية والنوتة وانطلاقا إلى صور الواقع والمخيلة التي تتمرأى مجسدة أمامنا في العرض ، مستثمرا من خلالها الكراسي والأقمشة والأضواء والأزياء ، ليورطنا في رؤية تفاصيل دقيقة وموجعة لهذا الواقع الذي نعيشه وكما لو أنه عصي علينا رؤيته حتى في فضح النهار ، وإن كان بتجليات الصورة الدالة الجاذبة الشاعرية التي لا يمكن للعرض الجبالي أن يتوهج دونها والتي تحتل مساحات لا حصر لها فيه .
في هذا العرض يلجأ الجبالي إلى الإضاءة الايحائية التي تنقض معناها ودلالاتها ، إنه البياض المغلف بالموت والسواد ، كما أنه تنوع لأشكال الواقع والمتخيل والمبهم والوهمي من خلال هذا البياض ، كما أنه نهاية العالم الذي يضج بألوان واشكال لا تنتمي اليه اللوحة الأخيرة ، وكما لو أن الجبالي يلغي وبجسارة لا يعوزها تردد خارطة الخشبة المسرحية ، مؤكدا بأن ما يتم الاشتغال عليه من خلال الخشبة هو اشتغال بامتياز خارج الواقع ، وهي نهاية مسخية كلية للإنسانية وتحديدا لهذا الواقع الذي يسعى حثيثا إلى قتل ووأد حتى إمكانية أن يتخيل الإنسان فيه مصيره بنفسه ، إنه يوجهنا للسلطات التي تسببت في حدوث هذا النشاز الدامي ، ولم يتبق أمامنا سوى صفعة جون أوزبورن فلعلنا ندير وجوهنا باتجاه ذواتنا المجهضة .
إن من يتملك مخيلة جامحة لتخيل العالم الذي يراه ، جدير بأن يصوغ ويخلق أجسادا وأرواحا بإمكانها التماهي مع هذه المخيلة الرائية ، إن الجبالي يشتغل على الممثل بوصفه مؤديا للحالة التي يتجسدها وليس بوصفه طائعا لها ، وبوصفه منتجا لها وليس مستهلكا ، إنه يحاور الرأس والمخيلة في آن لدى المؤدي ، لذا تتجلى التجربة المخبرية التي يخوضها الجبالي مع مؤديه بشكل مغاير ، ولعل ما استوقفني في هذا العرض هو أداء المؤدين وتعاملهم مع آلاتهم الموسيقية بوصفها شخصيات وحيوات وليست آلات ، وكان الأداء لهذا النشاز احترافيا متقنا بامتياز وليس تنشيزا من باب الجهل بمقتضيات الأداء للواجب ، بل لعل العنوان نفسه ( على هواك ) بالإضافة إلى إحالاته الساخرة ، فإنه يكتنز بدلالات أكثر تعالقا مع الحرية نفسها ومع خياراتنا في صوغ ما نريد ونطمح .
أما نموذجنا الساكن المجنون المتفجر فهي مجنونة الجبالي الصامتة حد الفجيعة والفدح ، إنها فهمتيلا ..
فهمتلا «femtella».. عرض مشاكس حتى أزمنة أخرى قادمة..
فهمتلا .. وهي تعني بالدارجة التونسية (أفهمت أم لم تفهم بعد؟) وأنا لن أذهب إلى التفسيرات و الإسقاطات المحلية التونسية في قراءتي لهذا العرض الإشكالي، ذلك أنه يتجاوزها ولذلك السبب سأذهب إلى قراءة أكثر رحابةً لهذا العرض من هذه الإسقاطات والتفسيرات.
فهمتلا لفيلسوف الصورة توفيق الجبالي .. عرض مسرحي بصري إشكالي يتجاوز حدود وأطر الصورة الفوتوغرافية الظاهرة والجامدة والتكوين البصري المتحرك الخاضع لإيقاع المشهدية الفيزيائية الحية الظاهرة..
عرض تسنى لي مشاهدته بمهرجان زيورخ الثقافي الذي تنظمه شركة المبادرات الثقافية هناك والذي تستضيف من خلاله مختلف الفعاليات الثقافية والموسيقية والتشكيلية والمسرحية المغايرة والصادمة في أغلبها والتي تشكل اتجاهات استثنائية في المشهد الثقافي العالمي..
فهمتلا.. حين تكون أمام صورة حيّة لعائلة في إطار تبدو في حيزه هذه العائلة في وضعية جامدة كما اعتدنا رؤيتها في أغلب مجالس وصالات وغرف بيوت العائلة في أي مكان في العالم، وفي الوقت نفسه تكون في غاية الشك والارتياب من اعتيادية هذه الصورة..
إنها اختبار لصبرك ورؤيتك، بين أن تؤمن بأن ما تراه صورة جامدة فعلاً وبين أن ما تراه هو إطار يحوي كائنات حية هي من لحم ودم وروح، بين أن ماتراه ينتمي للمسرح أو ينتمي للفوتوغرافيا، بين أن ما تراه هو أنت وعائلتك أو هو شيء آخر لا علاقة لك به تماما، بين أن ماتراه هو موقع لفرجتك أم هو من يتفرج عليك بوصفك صورة أخرى لم تنتبه إليها طوال حياتك..
الجبالي في فهمتلا يتجاوز حدود الفرجة التقليدية والتجريبية المعتادة معًا، يتغاير مع حدود اشتغالات باتريس بافيس التنظيرية لمعجمه الدلالي ومع روبرت ويلسون في اشتغالاته المعملية بمسرح الصورة، ويشتبك مع ما بعد دراما ايريكا ليشتا حول أفق التلقي لدى المتلقي، ليضعنا أمام تجربة مغايرة تذهب عميقا في الحفر والتشكيل ونسج ميكروفيزيائية مغايرة في الصور اللامرئية داخل هذه الصورة الظاهرية المؤطرة، عرض لا يذهب في مبتديات الفعل وخواتيمه، عرض يصرخ دون أن يجهر ويبوح، عرض يتحرك في غفلة مشاهدتك له وكما لو أنه يختبر رفة عينيك في اللحظة والثانية، عرض يرى الغجيعة والفدح في عينيك مثلما يراها في ذاكرته ومخيلته، عرض يختبر سكون الروح وتفاصيل الجسد في أداء مؤديه، هو حفر يدعوك لمشاهدة ورؤية واستبار أعماق الصور الداخلية لهذه الأجساد وتخيل حالاتها وانفعالاتها ومآلاتها..
لحظة في هيمنة الصمت المفجع ترتعف روحًا من بين هذه الصور بمكبوتاتها القهرية لتستقر بعد ثوان على حالة صمت أكثر فدحًا من هذه الارتعافة، فهل يكسر الجبالي بهذه الارتعافة جدار الصورة والصمت الحائر لدى متفرجه؟..
لحظات ونكون في مواجهة صورة أخرى تتلوها صور لنعود ثانية إلى المربع الأول للصورة ولكن من زاوية تأملية أخرى،
فهل كان الجبالي يختبر قدرتنا على تكوين الصورة (البازل) من زاوية أخرى؟..
إنها اختبار للتلقي بالدرجة الأولى، وهي تجربة سابقة لعصرها حقا ولربما حتى يومنا هذا لو تم تقديم هذه التجربة ستقترح تأويلات جديدة لا حدود لها في عالم المسرح والسيمياء الادائية، بل أنها في رأيي تتجاوز حدود اختبار فرجة المتلقي لها إلى اختبار فرجة المؤدي لدواخله الميكروفيزياية وهو اختبار مركب إشكالي صعب خاصة في لحظات التحول الطافر على الصورة الظاهرية لهذه العائلة أو الآسرة..
وتتعدّد أطر وتحولات هذا الطفر المباغت والمريب ليصل الحال بها إلى انفجار غروتسكي كافكاوي يتبدى من خلال شهقات متواصلة ومتقطعة كجهيش الساموراي الصريع والتي تنم عن حجم فدح اللامرئي أو المسكوت عنه في دواخل وهواجس هذه الشخصيات المؤطرة، ليعيد الجبالي مونتاجها من جديد في لحظة سكون متحرك يصوغ صورة أخرى لتعود ثانية إلى وضعها السابق وكما لو أن هذه الكائنات نتاج مونتاجات مستمرة خارج إرادتها الحية والتي تأتي وفق نوازع ومقتضيات لا تتجاوز في تبدلها حدود عقارب ساعة جدارية أهملها الزمن لتفصح في كل نهاية مونتاجية عن كارثة بلانشوية جديدة تقترح تأويلاً جديدًا وغرائبيًا على المتلقي وعلى المشهد المسرحي ذاته..
إنه عرض يغاير ويشاكس وربما يتماهى أحيانًا في تحولاته الغرائبية مع تيارات الثورات الشاطحة الجامحة لدى الوحشيين والدادائيين والسيرياليين التي أفرزت رؤى جديدة في عالم الفكر والفن والثقافة بشكل عام..
هكذا هو الجبالي.. يرمي في كل سانحة خلقية إبداعية مغامرة مشاكسة حجرًا في بحيراتنا الساكنة ويمضي في جنونه دون أن ينتظر من يختبر قدرتنا على تكوين الصورة البازل من زاوية أخرى؟..
هكذا هو الجبالي.. يرمي في كل سانحة خلقية إبداعية مغامرة مشاكسة حجرًا في بحيراتنا الساكنة ويمضي في جنونه دون أن ينتظر جوابًا على السبب، وكما لو أنه يدفعنا بذلك إلى ضرورة تحريك وهز الأسئلة العالقة في رؤوسنا وذواتنا وأرواحنا ومخيلتنا حتى لا تستسلم للتبلد وللعفن والموت والتحلل..
فهمتلا.. عرض يسكن رأسي وأسئلتي منذ أن شاهدته في عام 1992 وحتى هذا اليوم والأيام التي تليه، عرض يتجدد ويشاكس في كل مشاهدة، وهكذا هي العروض التي تروم التأسيس والمغايرة، لا يمكن أن تنسى على الإطلاق، بل تقترح في كل مشاهدة أسئلة جديدة..
هي فهمتيلا.. أو الصورة توشك أن تنفجر وتتشظى..
فشكرا لمبدعنا الكبير ومفكرنا المسرحي المغاير أبدا توفيق الجبالي .. فأنت الذي لا تشبهك ولا أحد يشبهك ..
لنجن إذن قبل أن تقترفنا خطيئة العقل ، قبل أن تجرنا هذه الخطيئة إلى البلادة والترهل ، فكلنا مجانين حتى إشعار آخر ..
واعذروني إذا كنت مقصرا في إيفاء الجنون حقه ، فما على العاقل من حرج ..
*ورقة مقدمة إلى المائدة المستديرة بمهرجان الدار البيضاء الدولي للمسرح الجامعي ..
**ناقد مسرحي من البحرين