د. أمــل الجمل :صوت العرب – برلين.
انتهت ولم تنتهي، فرغم إسدال الستار على حفل الختام، لكن لازال الصخب السياسي والإنقسام الواضح بسبب موقف الحكومة الألمانية وإدارة المهرجان من القضية الفلسطينية - والذي انطلق مدوياً قبيل بدايتها - لازالت آثاره وعواقبه تتصاعد دولياً، أقصد فعاليات الدورة رقم ٧٦ من مهرجان برلين السينمائى الدولي التي امتدت بين ١٢ و ٢٢ فبراير ٢٠٢٦.
هناك أخبار متداولة عن قرار إقالة محتمل لرئيسة البرليناله، فقد تمت الدعوة لإجتماع استثنائي اليوم الخميس الموافق ٢٦ فبراير ٢٠٢٦، تحديداً بسبب تصريحات الدفاع عن فسلطين وإدانة ألمانيا واتهامها بالمشاركة في الإبادة التي تتعرض لها غزة وذلك في حفل الختام - يوم ٢١ فبراير من المخرج عبد الله الخطيب الفائز فيلمه "وقائع زمن الحصار» بجائزة العمل الأول ضمن قسم «وجهة نظر».
هذا أمر لاشك خطير، قرار الإقالة المحتمل، حتى وأن لم يتم، فمجرد التهديد والتلويح به لاشك أمر خطير. رغم أنه ليس جديد تماماً، حيث تتحكم السياسة في إدارة الفن، لكن أن يتم الإعلان عنه بمثل هذا الشكل الفج، وتُبذل المحاولات العلنية لتكميم الأفواه التي تعلن عن تضامنها مع الحريات الإنسانية، والتي للمفارقة طالما تشدق بها الغرب، ثم أن يأتي هذا التكميم من الغرب ذاته، فهو أمر كاشف لقوة الفن، لمتانة العلاقة بين الفن والسياسة، وأنه ليس صحيحاً أبداً ما قاله فيم فيندرز بأن الفن يجب فصله عن السياسة وذلك في المؤتمر الصحفي للجنة التحكيم الرئيسية في مستهل إفتتاح هذه الدورة الاستثنائية.
هل تُقال ترشيا في إجتماع استثنائى؟
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد تزايد قلق صناع السينما على المستوى الدولي عقب إعلان وزير الثقافة الألماني، فولفرام فايمر، اليوم عن دعوته لاجتماع استثنائي لمجلس إدارة مؤسسة إدارة المهرجان، "Kulturveranstaltungen des Bundes in Berlin GmbH" (KBB)، صباح الخميس، لمناقشة "التوجه المستقبلي للمهرجان“. وقد اندلعت المخاوف عندما نشرت إحدى أكثر الصحف الألمانية شعبية أن مستقبل تريشيا تاتل وبقائها في منصبها سيكون محل نقاش في الاجتماع، والتي من المحتمل ، الذي يُتوقع أن يُعقد في تمام الساعة 8:00 صباحًا بتوقيت وسط أوروبا اليوم الخميس.
هذه الأخبار المزعجة والمخيفة لأنها تحمل في طياتها تهديداً للحريات جعل الأوساط السينمائية العالمية تعرب عن «قلقها البالغ» إزاء احتمال رحيل تريشيا تاتل عن مهرجان برلين العريق، والتي أمضت فيه عامين فقط من خمس سنوات وفق التعاقد الذي تم معها. وقد انتشرت كالنار في الهشيم رسالة مفتوحة، تُدافع عن مديرة مهرجان برلين السينمائي الدولي، تريشيا تاتل، وعن المهرجان باعتباره "منصةً للتبادل"، بأكثر من 600 توقيع في غضون ساعات قليلة.
وكانت التقارير الإعلامي الألمانية قد أفادت بأنه سيتم استبدال تريشيا تاتل، رئيسة مهرجان برلين السينمائي الدولي (برليناله)، وأن مبرر الإقالة يعود إلى "فضيحة معاداة السامية" التي هزت المهرجان. ونقلت الصحيفة عن مصادر داخل "مؤسسة الفعاليات الثقافية الاتحادية في برلين" (KBB)، وهي الجهة المسؤولة عن مهرجان برلين السينمائي الدولي أن خطاب المخرج عبد الله الخطيب المؤيد للفلسطينيين في حفل توزيع جوائز مهرجان برلين السينمائي الدولي قد أثار غضباً واسعاً. ووفقاً للتقرير، ستواجه مديرة المهرجان، تريشيا تاتل، عواقب هذا القرار.
فلسطين حرة/ رغم دعم الإبادة؟
فما الذي قاله عبد الله الخطيب حتى يقلب برلين رأساً على عقب؟ لقد انطلق الخطيب من تأكيده على أن السينما لا تنفصل عن واقع الحصار والاحتلال والقتل الجماعي في غزة، أن المقاومة يجب أن تسبق الفن، والحرية تسبق الثقافة، مُصرّاً على أن الفلسطينيون سيتذكرون دوماً من وقف مع فلسطين وساندها، وسيتذكر أيضاً هؤلاء الذين التزموا الصمت. وأن فلسطين ستنال حريتها، وأن مهرجاناً سينمائياً كبيراً سيُقام في غزة يوماً ما.
ثم أضاف الخطيب في تحدي: أن البعض نصحه ألا يقول الكلمات التالية لأنه لاجيء في ألمانيا ويواجه تحديات لأن هناك خطوط حمراء لا يجب تجاوزها لكنه أصر على قوله مؤكداً أن: «الحكومة الألمانية متواطئة في الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة، مُشيراً إلى أنه يثق أن تلك الحكومة ذكية وتُدرك جيداً ما يحدث لكنها تختار عدم التحرك.» ثم اختتم خطابه قائلاً: فلسطين حرة من الآن وحتى نهاية العالم.»

لم يكن الخطيب وحده صاحب الموقف الشجاع لكن أيضاً المخرجتين كوثر بن هنية كانت الأسبق وإن قالت كلمتها بدبلوماسية شديدة، حيث عبرت عن احترامها لكن أيضاً عن رفضها لحمل الجائزة معها، لأن هند رجب لم تكون طفلة واحدة لكنها تعبر عن جميع أطفال غزة الذين يتم قتلهم، أما المخرجة اللبنانية ماري روز- أسطا فبعد أن تلقت جائزة فيلم "يوماً ما طفل" في مهرجان برلين السينمائي الدولي، ألقت كلمة جمعت بين الامتنان للحصول على هذه الجائزة التي ستغير مجرى مهنتها وحياتها، وبين النطق بكلمات تحمل رسالة سياسية قوية، مشيرة إلى أن فيلمها الذي يتناول قصة طفل يتمتع بقوى خارقة يُسقط طائرات مقاتلة إسرائيلية، حيث قارنت المخرجة بين الخيال السينمائي والواقع المرير الذي يعيشه أطفال فلسطين ولبنان، حيث لا يجدون أي حماية من القصف، وأدانت انتهاكات وقف إطلاق النار والتقاعس الدولي، مؤكدةً أنه لا ينبغي لأي طفل أن يحتاج إلى قوى خارقة للبقاء على قيد الحياة، وحثت على أن تُؤكد جائزتها على أن حقوق أطفال لبنان وفلسطين ليست محل تفاوض.

صحيح أن كلمتي ماري روز وكوثر بن هنية كانت قوية المضمون لكن كلمة الخطيب وقوله المباشر المشير باصبع الإتهام تجاه ألمانيا هوالسبب الرئيسي والجوهري وراء تصعيد الأمور فأجج اللوبي الصهيوني حيث فوراً وأثناء إلقاء الكلمة غادر وزير البيئة الاتحادي كارستن شنايدر مهرجان برلين السينمائي الدولي أثناء حفل توزيع الجوائز مساء السبت ٢١ فبراير، احتجاجًا على الخطاب المؤيد للفلسطينيين، وأوضح متحدث باسم الوزارة يوم الأحد ٢٢ فبراير: ”أن الوزير الاتحادي يعتبر هذه التصريحات غير مقبولة، ولذلك غادر الفعالية أثناء الخطاب". كما وُجهت انتقادات حادة لهذه التصريحات من داخل حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي/الاتحاد الاجتماعي المسيحي حيث وصف حفل الختام بتضمنه «مشاهد مثيرة للاشمئزاز».
ردود فعل على ردود الفعل
وكان شنايدر الممثل الوحيد للحكومة الألمانية الحاضر في مهرجان برليناله. ثم توالت انتقادات حادة من حزب CSU ، كما علّق - في وقت سابق - رئيس الكتلة البرلمانية لحزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي ألكسندر هوفمان بلهجة حادة عبر منصة X على حفل توزيع الجوائز، حيث كتب أن المهرجان شهد: «اتهامات بالإبادة الجماعية، تصريحات معادية للسامية، وتهديدات ضد ألمانيا». ورأى أن «المشاهد المثيرة للاشمئزاز» تؤكد على ضرورة اتخاذ موقف واضح وتصنيف معاداة السامية كجريمة خطيرة من جرائم التحريض على الكراهية. وأضاف أنه لا ينبغي السماح بوجود «منصة لكارهي إسرائيل» سواء: في الأماكن العامة، أو في الفعاليات، أو على الإنترنت.

إذاً هذه التصريحات جميعها تلقي مزيداً من الضوء الناصع على كيفية التكتل والعمل الصهيوني لمواجهة أي دعوة لمساندة الفلسطينين في ظل فعل الإبادة، وبينما كانت مديرة المهرجان، تريشيا تاتل، منشغلة في الغالب بمحاولة احتواء الأضرار التي نجمت جراء تصريح فيم فيندرز في مستهل الدورة لكنها ربما تغرق ليس فقط بسبب فيضان ردود الأفعال التي تحققت جراء هذا التصريح، ولكن أيضاً بسبب ردود الفعل المندلعة من آثار ردود الفعل الغاضبة من تصريح فيندرز، والمتمثلة ليس فقط في حملة التوقيعات أثناء المهرجان بلغت ٨١ توقيعاً - من نجوم ونجمات كبار من بينهم تيلدا سوينتون، وخافيير بارديم، وتاتيانا ماسلاني، وآدم مكاي - على رسالة مفتوحة، أشاروا فيها إلى أن المهرجان "يمارس الرقابة على الفنانين الذين يعارضون الإبادة الجماعية الإسرائيلية المستمرة ضد الفلسطينيين في غزة، ودور الدولة الألمانية المحوري في تمكينها". وهو الأمر الذي نفته تاتل، المدير السابق لمهرجان لندن السينمائي، حيث وصفته بأنه مجرد ادعاء، واصفة المهرجان بأنه مساحة للمخرجين لمناقشة القضايا السياسية وغيرها بالطريقة التي يرونها مناسبة.

لكن، الأمر لم يتوقف عند ذلك، ففي العديد من المؤتمرات الصحفية، وُجهت للمخرجين أسئلة سياسية محددة، غالبًا ما كانت بعيدة كل البعد عن مناقشة الأفلام. وانتقد النقاد المخرجين والنجوم لعدم رفع أصواتهم بما فيه الكفاية، لا سيما فيما يتعلق بالحرب في غزة.
وكان أحدث ردود الفعل هو أن عدداً لا يستهان به من الأفلام الفائزة - وأغلبها سياسي - حيث بدا الأمر وكأنه رد من لجان التحكيم ذاتها على تصريح فيم فيندرز/ حتى اللجنة الرسمية التي يترأسها فيم فيندرز نفسه منحت عددا من جوائزها لأفلام سياسية، للتأكيد على أن الفن لا ينفصل عن السياسة. لذلك كله لم تنجح محاولات تريشيا تاتل في احتواء الأزمة، فرغم أنه كان بادياً من كافة تصريحاتها أنها تحاول أن تفهم، وأنها تتفهم الأمر، لكن في الوقت نفسه، لا يمكن إنكار أنها كانت تواجه تحديًا كبيرًا لإعادة إحياء مهرجان برلين السينمائي، فالأمر ليس ببساطة إلقاء التصريحات والتعبير عن مواقف سواء مع أو ضد، لكنه أمر معقد ومتشعب، ومؤكد سوف يستغرق وقتًا حتى تخمد نيرانه.
انطلاقاً من كل ما سبق، وخوفاً على مصير مهرجان عريق يُعد أحد أبرز المنصات السينمائية الداعمة للسينما المستقلة فقد أعربت المؤسسات السينمائية الأوروبية عن دعمها لتاتل يوم الأربعاء. وأصدرت أكاديمية الفيلم الأوروبية، وهيئة الترويج للأفلام الأوروبية، ومنظمة يوروبا الدولية بيانًا جاء فيه: "نستذكر دورة مهرجان برلين السينمائي الدولي (برليناله) القوية والملهمة، ونود أن نعرب عن تقديرنا العميق لجهود تريشيا تاتل كمديرة للمهرجان. لقد عرضت دورة هذا العام من المهرجان باقةً رائعةً من الأفلام الأوروبية، وجمعت بين الجماهير والمتخصصين في صناعة السينما من جميع أنحاء العالم. وتحت قيادة تريشيا تاتل، عزز مهرجان برلين السينمائي الدولي مكانته كمهرجان دولي رئيسي ومنصةً لعرض الأفلام الأوروبية، ثم اختتم البيان بالقول: "نُقدّر الرؤية الفنية والالتزام اللذين أضفتهما تريشيا تاتل على المهرجان. ونؤمن بأن قيادتها تُرسّخ أساسًا متينًا لمهرجان برلين السينمائي الدولي وللسينما الأوروبية للمضي قدمًا بثقة نحو المستقبل.
انتهت الرسالة، لكن العالم السينمائى سيظل في انتظار رسالة آخرى عقب انتهاء الاجتماع الاستثنائى المزمع عقده اليوم، ومعرفة القرارات التي توصل إليها، فيما يخص مصير برليناله ورئيسته الحالية.