جوائز برلينالة الـــ٧٦ وإسدال الستار على صخب سياسي مدوي .
2026 ,22 شباط
د. أمــل الجمل :صوت العرب – برلين.
من المؤكد أنها دورة غير عادية في رأيي الشخصي: البرمجة، وليس فقط الطقس، إغلاق المطار بسبب الثلوج، وجود فيروس طيور من قبل المهرجان وآخر أثناءه قيل أنه قادم من فرنسا.
 إنها دورة شديدة الصخب شهدت كثيراً من الجدل والآراء السياسية مع أو ضد المهرجان ولجنة التحكيم برئاسة الألماني فيم فيندرز، بسبب تصريحه بضرورة فصل الفن عن السياسة حينما انتقد البعض موقف المهرجان من غزة. وهو الامر الذي يجعلنا نتساءل: هل حقاً أفلام فيم فيندرز تخلو من السياسة؟ هل أفلامه فنية فقط منزوعة الطعم ومجهضة من أي حمولة سياسية، بالتأكيد لا، ويمكن تقديم دراسة مطولة عن ذلك بالتفصيل، لكن ربما السؤال المفاجيء ورغبة فيندرز في احتواء الجدل لم يكن موفق في اختيار الرد الصائب. ولا أدعي أن موقف فيندرز كان سهلاً، أعتقد أنه كان مشدوداً لجهتين متناقضتين. 
شخصياً أرى الأمر شديد التعقيد ويصعب تلخيصه في الإنحياز لرأي دون الآخر. خصوصاً أن الانحياز لفسطين وغزة الآن ليس أمراً صعباً على كثيرين، نحن الان في مرحلة تتزايد فيها حشود  الفنانين والمثقفين المتضامنين مع غزة، المتضامن الآن معها يكون الوضع معه أسهل بكثير من هؤلاء الصامتون أو المتخذون لموقف مناهض. المتضامن مع غزة الآن لا يخاطر بحياته ومستقبله ومهنته، بل ترفعه وسائل الأعلام عاليا وتمجده، ولا أقصد من ذلك أن أدين من يتضامن مع غزة أبداً. لكن أقول بوضوح. لم يعد في الأمر مغامرة أو مخاطرة. 
الأهم، والأمر المنفر أن لا يسمح طرف للطرف الآخر بالتعبير عن رأيه. في هذا الإطار أعجبني تصريح المخرج السوري أمير فخر الدين، رئيس لجنة تحكيم الأفلام القصيرة حينما أكد على أنه على الفنانين الإصرار على التعقيد وعدم الإنجرار إلى مواقف تبسيطية، قائلا: «لا ينبغي أن تتحول ساحة المهرجان إلى ما يشبه قاعة برلمانية. بعض الفنانين يتحدثون عبر بياناتهم، وهذا مقبول. وآخرون يتحدثون عبر المسار الطويل لأعمالهم، كما تفعل أنت سيد فندرز. كلا النهجين ممكن، ويجب أن يتعايشا.
الطريف في الأمر، أنه كما انطلق المهرجان بمشهد مرتبك حيث قطع الإرسال بعد سؤال مهاجم عن عدم التضامن مع غزة، فإن ليلة الختام ذاتها شهدت مواقف كاشفة، وكأن بعض لجان التحكيم ترد على رأي فيم فيندرز وذلك بإعلان فوز فيلم «وقائع زمن الحصار» للمخرج السوري الفلسطيني عبد الله الخطيب، بجائزة أفضل أول فيلم. ومن السينما العربية أيضاً فاز الفيلم القصير «يوماً ما ولد» بالدب الذهبي لأفضل فيلم قصير، للمخرجة اللبنانية ماري ـ روز أسطا. 
بعيدا عن السياسة وصخبها المباشر والآراء المعلنة، كانت هناك أيضاً أفلاما مشحونة بالسياسة والتاريخ، كاشفة لاعتداءت واحتلال، وقتل، وآثار تخريب، وعنف، وسرقات ونهب، وارتباكات نفسية وعاطفية على تنوعها واختلاف جنسياتها. 
استمتعت بعدد كبير من الأفلام التي شاهدتها، خلال الدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائى الدولي، التي امتدت بين ١٢ و٢٢ فبراير ٢٠٢٦. أعجبتني أغلب الأفلام، وتنوعها ما بين المشاكل العائلية، والصراعات الأسرية ومشاكل المراهقة، هناك أفلام أعجبتني أكثر من تلك التي حصدت جوائز لجنة التحكيم، لكن هذا متوقع، كما أن أغلب الجوائز إلي حد ما أراها مقبولة.
ربما أكثر شيء يضايقني هو اصرار إدارة برليناله على منح جائزة واحدة في التمثيل للدور الرئيسي أو الدور المساعد، فبعد أن كانت هناك جائزة لأحسن ممثلة، وجائزة أخرى لأحسن ممثل صارت هناك جائزة واحدة تأخذها امرأة أو يأخذها رجل. وفي هذه الدورة أعتقد أن بطل فيلم «رسائل صفراء» كان يستحق جائزة التمثيل، لكن عموما الفيلم حصد الدب الذهبي الذي ناله المنتج الألماني إينغو فْلِيس، وربما يكون هذا أمر يخفف من ظلم عدم منح الممثل جائزة. 
في «رسائل صفراء» من توقيع المخرج الألماني إلريك تشاتك، - الذي كان بين ٢٢ فيلماً تتنافس بالمسابقة الرسمية والتي شهدت تنوعاً واضحاً في الطروحات الجمالية والسياسية. والذي اعتبر كثر  فوزه لحظة تاريخية استثنائية إذ يعد أول تتويج بالدب الذهب لمخرج ألماني منذ فوز فاتح أكين بفيلمه "ضد الجدار" عام 2004 أي منذ أكثر من عقدين تقريباً. 
يبدأ الفيلم من برلين لكن على التتر يكتب المخرج أنه يٌحاكي أنقرة في برلين، وكأنه يحول أنقرة إلي مدينة منفية، وذلك لصعوبة التصوير في تركيا لأن فيلمه يتحدث عن القمع السياسي لأبطاله العاملين في مجال الفنون والثقافة، وهو الفيلم الذي سبق وتحدثنا عنه في مقال سابق. 
في حين ذهبت جائزة لجنة التحكيم الكبرى/ الدب الفضي/  للفيلم التركي «خلاص»، للمخرج إمين ألبر، وفيه يتناول المخرج تلك الرغبات القوية في الاستحواذ على الأرض والسلطة والنفوذ وما تتطلبه من اندلاع النزاعات القبلية وما تخلقه من حرب مستعرة. أما جائزة الدب الفضي لأفضل أداء دور أول، فنالتها الممثلة الألمانية ساندرا هولر - كما سبق وتوقعنا - عن دورها في «روز»، للمخرج النمساوي ماركوس شْلاينزر، وهو أحد أجمل الأفلام المعروضة داخل المسابقة، بكل ما فيه من قسوة وحوار فسلفي شاعري، حيث تدور أحداثه حول امرأة شابّة في القرون الوسطى حينما تواجه السلطات الدينية والمجتمعية والقانونية بعد اكتشاف أمرها وحقيقة هويتها الجندرية، حيث تنتحل صفة ضابط في جيش هذه البلدة، ذات المجتمع المحافظ جداً، وهناك تختبر حياة الذكور ويصدقها الجميع ويتعاملون معها باحترام وتبجيل شديد، لكن حين تراها إحدى الفتيات وتخبر الجميع بحقيقة كونها امرأة تنقلب معاملة المجتمع لها رأساً على عقب، ويكشفون عن الوجه القبيح لهم في نظرتهم للمرأة.  
أما جائزة أفضل سيناريو فذهبت إلى جنفياف دولود ـ دو سَلْ، مخرجة "نينا روزا“ وهو شريط سينمائى يتناول فكرة الرغبة الملحة في العودة إلي الجذور التي هرب منها الإنسان في شبابه، ومن خلال ذلك أيضاً يناقش فكرة الرأسمالية وتسليعها للفن من خلال التقرب واستغلال فتاة مراهقة تهوي الرسم وتنتج لوحات مُثيرة لاهتمام مقتني اللوحات وأصحاب الغاليريهات. 
"افري بودي دجز بِل إيفانز" أو "الجميع معجبون ببِل إيفانز" هو أحد أجمل الأفلام التي شاهدتها أيضاً وهو عنوان أحد الأسطوانات التي حققت نقلة نوعية وشهرة كبيرة للموسيقار، وقد فاز الفيلم بجائزة أفضل إخراج للإنكليزي غرانت جي، والحقيقة أن فوز الفيلم أسعدني ليس فقط للقصة واحكام السيطرة الفنية على تجسيد روح الشخصيات، لكن أيضاً الاشتغالات البصرية وأسلوب الفلاش باك والفلاش فورورد بأسلوب شديد الشاعرية، حيث ينطلق الفيلم من مقتل موسيقار في حادث سير، مما ينجم عنه بداية انهيار صديقه وينخرط في عالم الإدمان ويفقد السيطرة على نفسه فيرسله الأخ إلى والديه المسنين وهناك نكتشف علاقة ارتباط روحي قوية له مع الأم، وإرادته القوية في الإقلاع عن الإدمان، ثم تدريجياً نتعاطف مع شخصية الأب رغم ما يشوبها من صوت عال، وخلال ذلك يستعيد الأثنين روابط بينهما كانت تبدو مقطوعة، لكن قرار العودة للعمل وترك الأهل يتبعه مواصلة رحلة انهيار جسد وروح كانت غير قادرة على الشفاء من آثار فقدان الصديق الراحل. 
المسنين وذوي الأعمار المتقدمة كان لهم مساحة كبيرة بداخل المسابقة وخارجها، والمدهش أنها أفلام كانت جاذبة حقاً ومصنوعة بمهارة ونفس أنساني جميل، بعضها نال حظاً غير هين من الجوائز، فقد حصل «ملكة في البحر»، للأميركي لانس هامر، على جائزتي لجنة التحكيم وأفضل دور مساعد، مناصفة بين الممثّلين، والفيلم من بطولة جولييت بينوش، ويدور حول اكتشافها أن زوج أمها يمارس العلاقة الزوجية مع الأم التي أصبحت تعاني مرض ألزهايمر، ووفق نصيحة الأطباء فإن مواصلة العلاقة الزوجية تؤثر سلباً على حالتها الذهنية، فتسير الأحداث في مزيج من الكوميديا والمشاهد المؤلمة كاشفة للتعقيدات البوليسية والطبية البيروقراطية.. حيث ينتهي بكارثة حقيقية تؤكد أن مخاوف الابنة كانت في محلها.  
أغلق الستار على الدورة السادسة والسبعين.. وعلى الجدل السياسي .. بعد عدة أعوام من الان ربما لن يتذكر أحد الجدل السياسي المثار هنا في أرجاء البرليناله، ربما يتذكره أحدهم في سطر أو اثنين في اطار الفلاش باك- لكن المؤكد أن عدداً من الأفلام وموضوعاتها في تلك الدورة ستظل خالدة ونشاهدها عشرات المرات، وهذا أحد أجمل أسرار الفن السينمائى، وأحد أجمل أدوار المهرجان الألماني العريق - برليناله - كمنصة سينمائية كاشفة للمواهب السينمائية وداعمة للسينما المستقلة. 
 
 
2023 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون