2026 ,21 شباط

د. أمــل الجمل :صوت العرب – برلين.
هل يحصد «جوزيفين» الدب الذهبي لأحسن فيلم؟ أو جائزة أفضل سيناريو؟ قبل مشاهدته كنت أتأمل الفيلم النمساوي الألماني «روز» كتابة وإخراج ماركوس شلاينزر، لدي شعور شبه أكيد بأن بطلة الأخير الممثلة الألمانية ساندرا هولر ستحصد جائزة أفضل ممثلة، لذلك أستبعد أن ينال الفيلم ذاته الجائزة - لأنه عادة لجان التحكيم لا تمنح جائزتين لفيلم واحد - لكنه أمر وارد وأذواق لجان التحكيم تختلف، والحقيقة أن فيلم «روز» أيضا يستحق جائزة قيمة، فالسيناريو مكتوب بمهارة وفيه حوارات فلسفية مهموسة بالشاعرية.
كان هذا شعوري وتساؤلاتي الجوانية عقب الإنتهاء من مشاهد الفيلم الأمريكي «جوزيفين» كتابة وإخراج بيث دي أراوجو. إنه آخر فيلم شاهدته من بين ٢٢ فيلما تتنافس بداخل المسابقة الرسمية بمهرجان برلين السينمائى الدولي السادس والسبعين الممتد بين ١٢ و ٢٢ فبراير ٢٠٢٦.
أثناء مشاهدتي بعض الأفلام راودني شعور مختلف عن غيرها، هناك أفلام في مناطق من السرد كنت أتوقف وأتساءل عن قيمتها وأهميتها، أحياناً كنت أشعر بالإنزعاج، ومساءلة العمل عن قيمته، ولماذا يتم التركيز على تيمة أو سردية قد تبدو شديدة الفردانية، هكذا شعرت مع فيلم «مولود الليل« وكذلك مع «جوزفين» في بعض مناطقه فالطفلة شديدة الذكاء ومشاكسة جدا لأقصى حدود التمرد، لكن شعوري هذا انقلب رأساً على عقب في الجزء الأخير من الفيلمين، وفجأة أجبت نفسي بأنه ليس قضية فردية. كيف؟ ولماذا؟ إنها عملية البناء والتراكم للحالة النفسية والتكوينات الشخصية للبطلات مع توالي السرد بالفيلمين.
«جوزيفين» هى طفلة عمرها نحو ثمانية سنوات. يتم تقديمها بالمشهد الأولى على أنها لا تمتلك الجرأة الكافية، للدقة نشعر أنها تخاف. لكن هذا الشعور يأتي حينما تكون هى خارج الكادر. فالأب يدربها على إغلاق باب الجراج. يخرج من الجراج ويطلب منها وهى بالداخل أن تضغط على زر الإغلاق للباب الحديدي ثم بعدها عليها أن تنطلق مسرعة وتخفض رأسها وتخرج قبل أن يهبط الباب.
في المرة الأولي تخاف وتصاب بالتوتر، لكن الأب يُصر على أنها قادرة على فعل ذلك، وتنجح بالفعل. بعد ذلك يتحركان باتجاه الحديقة الكبيرة لممارسة اللعب بالكرة. لكن الطفلة تجري وتختبيء من والدها تحت أفرع أحد الأشجار، بينما يجري هو بحثاً عنها ويتجاوزها، دون أن يراها.
تشهد الطفلة جريمة اغتصاب وهى في حالة ذهول. تتابع فرار امرأة ثم اغتصابها والعنف الذي يمارسه عليها الرجل المغتصب حتى أنه يضرب رأسها في الحجر أو الأرض من تحت رأسها في محاولة لإنهاء مقاومتها والسيطرة عليها.
أثناء ذلك كانت المرأة في حالة صراخ هستيري تطلب المساعدة. في لحظة ما تظهر الطفلة وتقترب ويراها الأثنين، ثم يأتي الأب، ويطلب الشرطة وتبدأ مطاردة المغتصب.
تتفجر المأساة من هذا المشهد يُواصل الفيلم سرديته حول شخصية الطفلة والحالة النفسية التي تصيبها وردود فعلها إزاء ما حدث، ردود فعلها تجاه والدها، تجاه أمها، وتبدأ شخصية الجاني في مصاحبتها وملازمتها في كل مكان، في البيت، أثناء محادثات أسرتها، والتحقيقات، وفي غرفتها. لقد أصبح الجاني ملازما لها، حتى أنها تتساءل هل يمكن أن أن تقع في حبه، وذلك في أحد أسئلتها لوالدها.
هنا، يدور صراع بين الوالدين، هل يشرحا للطفلة ما حدث ومعني الإغتصاب؟ الأب يرفض لأن عمرها لا يحتمل بينما الأم تؤيد. من منهما على صواب؟ الأحداث ذاتها تجيب. الفيلم أيضاً يجيب على تساؤلات آخرى. يقيم كلمات وآراء ويضعها في الميزان، هل القوة الفيزيائية والرياضة والبناء الجسدي والرياضة هي القادرة على حماية الإنسان، أم القوة العقلية، والإتزان العقلي؟ إنها المقارنة الخفية بين الوالدين، وبين الأب وابنته، خصوصاً مع التحول الجوهري في شخصية الأب وابنته مع نهاية الأحداث.




