*في وداع سهيل الياس.
2026 ,08 أيلول
د.نجوى قندقجي:صوت العرب – الاردن.
الزمان: شتاء ١٩٩٤
المكان: المركز الثقافي الملكي
المشهد: مناسبة مسرحية وهو المشهد الفني الذي يعكس روح تلك المرحلة من الحراك الحيوي الذي كان يتنفس بوتيرة عالية نابضة بالحياة وآمال تعدُ الشباب أن هناك أفقاً جميلاً للفن بانتظارهم ليضيؤوه.
هكذا كنت أتطلع نحو هذا المشهد عند قدومنا من موسكو، حاملة شهادتي وكتباً وثياباً عتيقة، وحقيبة كبيرة يملؤها الأمل والحماس والطموح، نستمد منها أدواتنا في تلمس الواقع الفني ومحاولة الاندماج فيه.
عند هذه اللحظة، وفي بهو المركز الثقافي حيث يعلو ضجيج الحاضرين من الفنانين والإعلاميين وصعاليك المسرح وتزاحمهم، في صورة تثير الحنين الحزين الآن، تعرفت على سهيل الياس، همس أحد الأصدقاء، يجب أن نقدمكم إليه، إنه المنتج الأهم في الأردن. كان تعارفاً، بدا لي عابراً، تبادلنا فيه المعلومات الأساسية، أين درست وماذا وأين أقيم حالياً. 
بعد أسبوع، يرن الهاتف الأرضيأحدهم يطلبني على الخط!!!. معك شركة سهيل الياس، نعمل على مسرحية ويود أبو أستاذ سهيل أن تكوني معنا، هل يمكنك المجيء إلى المكتب، في الصويفية؟... وجاءت الفرصة الأولى في حياتي المهنية، كانت المسرحية "ممنوع في ممنوع" من تأليف عزمي مصطفى وبطولة نادرة عمران وعاكف نجم وماهر خماش وعبد الكريم قواسمة، وهو عمل عوّل عليه سهيل الياس أن يفتتح به مسرح عمون ليؤسس مسرحاً يومي، ويوفّر إمكانية تشغيل المسرح طوال السنة. 
ورغم كل المصاعب في الالتزام وحضور البروفات بسبب عدم توفّر السكن، والتنقل بين إربد وعمّان، فقد كانت محطة مهمّة بالنسبة لي، ليس فقط على الصعيد المهني، وإنما في كشف جوانب من شخصية سهيل الياس الإنسانية والإنتاجية وما تحمله من الشجاعة والمغامرة حدّ الجنون. لأفهم لاحقاً ومع استمرار عملي معه كمنتج ومخرج أن الموضوع لا ينصب في الكرم، بل في اعتبار أبو قيس أن من يعمل معه هو فرد من أسرته، يعنيه حاله الإنساني ويهتم به شأن العمل الفني. ولذلك كان من المنطقي له، والمدهش لنا، أن نذهب بعد التصوير إلى بيته الراقي في بساطة أثاثه، حيث تستقبلنا زوجته هيلين بكل طيب خاطر، للاستراحة أثناء التصوير وتناول الطعام أيضاً، لم يخف أولاده، لم يحجب زوجته، الكل شركاء في بناء حياته، وجزء داعم في تشكيل العائلة الفنيّة المتّحدة الواحدة.
فشلت تجربة مسرح عمون لأسباب كثيرة، لا جدوى من ذكرها والخوض فيها الآن، ولم يعد سهيل للخوض في تجارب مسرحية جديدة، ولكنه استمر في الإنتاج التلفزيوني، والتي مثّلت على الأغلب في جميعها، وتنوعت بين التاريخي والتعليمي والأفلام التلفزيونية وأعمال للأطفال. 
يحمل سهيل الياس التميّز والخصوصية إنسانياً وفنيّاً. من يستطيع أن ينكر كم كان إنساناً خاصاً، من ينسى سخريته وأسلوب كلامه، صوته الصارخ، فطنته في فهم الآخرين، لهجته القُدسية، طرافة تعليقاته. كان طفلاً في الفن، يفرح للقطة/ اللحظة/الكلمة/ الهفوة، ولهذا كان العمل معه متعة خالصة، يختلط اللعب بالجد، والمغامرة، والتشويق والتحدي. 
أما على صعيد الفن، أعتقد أننا سننتظر طويلاً وربما لن يأتي ذاك الفنان، كما سهيل الذي استطاع أن يكون منتجاً، ممثلاً، مخرجاً، كاتباً، وكأنه يثبت أن أساسيات المهنة وجذورها تتشابك جميع أطيافها وأنواعها، فكانت ثقافته تمتد لجميع الحقول الإبداعية، قاطعاً الحدود الواهية بين التخصصات الدرامية والفنية المتعددة.
غادرنا سهيل الياس وفي جعبته الكثير من المشاريع المقترحة والأعمال المكتوبة، والتي لم تر النور وتنتظر عيناً حريصة على رؤيتها واحيائها. سيبقى طيف أبو قيس يرافقنا، يتطلع بعينيه الثاقبتين الباسمتين، وصوته الصادح "يالله نشتغل"، وربما لا وفاء أكثر، من أن نمضي في تحقيق بعضاً من أحلامه في إعلاء الدراما الأردنية، والتي لطالما، كان مؤمناً بها وحريصاً عليها ويعمل لأجلها. 
عزيزتي هيلين، لن ننسى تشريع أبواب بيتك وقلبك لنا. فعلت كما فعل سهيل، جعلتنا أفراداً من عائلتك مع كرمة وبيسان وقيس. جميعنا نعرف أنه ما كان لسهيل أن يحقق أعماله ومشاريعه الفنية لولاك. لولا حبّك وفهمك ودعمك وتعبك. وجميعنا نعرف أن الفن يسكن روحه، وكنتِ الأقدر على فهم هذا الجنون وتحمّله. كل شيء في بيتك يعكس هذا العطاء، والحب، والعطف، والحنان. نحن جميعاً ممتنون لك. هذا الامتنان لا يقلّ عن امتنانا لسهيل أنه كان جزءاً من حياتنا، من ذاكرتنا. وهكذا سيبقى معنا.  
Dear Helen,
We will never forget how you opened not only the doors of your home, but also the doors of your heart to all of us. You welcomed us as Suhail did—with generosity, warmth, and kindness—and made us feel that we were part of your family, alongside Karma, Qais , and Bissan.
We all know that behind Suhail’s artistic work and his many projects was a great deal of your love, understanding, support, and tireless effort. Art lived deeply in his soul, and you were the person who understood that passion perhaps better than anyone, embraced it, and stood beside him throughout his journey.
Everything in your home carries something of that spirit: givness, love, compassion, and tenderness. These are things we have felt every time we entered your home, and every time we shared a moment with Suhail and with you.
For all of this, we are deeply grateful to you. Our gratitude to you is inseparable from our gratitude to Suhail—for opening his life and his world to us, for becoming part of our lives, and for leaving us with memories that we will carry forever.
Suhail may no longer be with us in the way we wish he could be, but he remains present—in his art, in the memories we share, in the people whose lives he touched, and in the love that surrounds this family.
And so, Suhail will remain with us. 
God bless you and may his souls rest in peace
 
 *ندوة تكريمية للفنان الراحل سهيل الياس - مسرح الرحالة -عمان2026
 
2023 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون