قراءة في العدد (47) من مجلة المسرح العربي الصادرة عن الهيئة العربية للمسرح.
2026 ,05 تموز
دعاء مامون – صوت العرب – الاردن.
صدر العدد السابع والأربعون من مجلة “المسرح العربي” التي تصدرها الهيئة العربية للمسرح، متضمناً مجموعة من الدراسات والحوارات والقراءات والنصوص المسرحية، إلى جانب عدد من الموضوعات التي تابعت قضايا المسرح العربي، وما يشهده من تحولات فكرية وفنية، في وقت تتسارع فيه المتغيرات التي فرضتها التكنولوجيا الحديثة، وتفرض معها أسئلة جديدة على المسرحيين والنقاد والباحثين. وقد بدا هذا الحضور واضحاً منذ الصفحات الأولى، حيث انشغل العدد بعدد من القضايا التي تمس حاضر المسرح ومستقبله، دون أن يغفل متابعة التجارب المسرحية العربية وما يصدر عنها من دراسات وإصدارات.
وجاء في المفتتح، تحت عنوان “حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي”، بقلم الأمين العام للهيئة العربية للمسرح الكاتب إسماعيل عبد الله، حديث عن الدورة السابعة عشرة لمسابقة تأليف النص المسرحي الموجه للكبار، التي حملت شعار “الإنسان في عالم ما بعد إنساني”، وهو عنوان يفتح أكثر من باب للتأمل في العلاقة بين الإنسان والتقنية، وبين الإبداع والآلة. وتوقف الكاتب عند الأسئلة التي بات يفرضها الذكاء الاصطناعي على العملية الإبداعية، ولا سيما ما يتعلق بملكية النصوص، وحدود مساهمة البرامج الذكية في الكتابة، مؤكداً أن الإبداع، مهما تطورت أدواته، يبقى فعلاً إنسانياً يحمل بصمة صاحبه، وأن الإفصاح عن حدود استخدام هذه البرامج أصبح ضرورة أخلاقية لا تقل أهمية عن الجانب القانونيويأتي هذا الموضوع في مفتتح العدد، ليفتتح باباً واسعاً للنقاش حول علاقة المسرح بالذكاء الاصطناعي.، وإنما بوصفه واقعاً بدأ يفرض حضوره على المبدعين، ويستدعي حواراً لا يمكن تأجيله.
وفي باب “سؤال المسرح”، كتبت الباحثة العراقية سحر حسب الله دراسة بعنوان “مسرح بلا جمهور؟.. تأملات في أزمة التلقي المسرحي العربي”، تناولت فيها واحدة من أكثر القضايا حضوراً في المشهد المسرحي، وهي العلاقة بين العرض والجمهور، متوقفة عند أسباب تراجع المتلقي عن ارتياد المسرح، ومشيرة إلى أن الأزمة لا يمكن اختزالها في ضعف الإقبال على العروض، وإنما ترتبط أيضاً بغياب التربية المسرحية، وضعف السياسات الثقافية، وابتعاد المسرح في بعض تجاربه عن هموم الناس ولغتهم اليومية. وترى الكاتبة أن إعادة الجمهور إلى قاعة المسرح تبدأ بإعادة بناء الجسر الذي يربط المسرح بمجتمعه، لأن العرض لا يكتمل إلا بوجود المتلقي، ولا تستعيد الخشبة حيويتها إلا بالحوار الذي ينشأ بينها وبين الجمهور.
وفي الباب نفسه، كتب الباحث عبد الناصر حسو من ألمانيا دراسة بعنوان "المسرح العربي... استيراد المفهوم أم توليده في السياق الثقافي"، تناول فيها مفهوم “ما بعد الدراما” الذي شغل الدراسات المسرحية خلال السنوات الماضية، متسائلاً إن كان المسرح العربي قد اكتفى باستعارة هذا المفهوم من التجربة الغربية، أم أنه بات قادراً على إنتاج مفاهيمه الخاصة المنبثقة من واقعه الثقافي والاجتماعي. ويتوقف الكاتب عند التحولات التي شهدها المسرح العربي، وما رافقها من تجارب حاولت البحث عن أشكال جديدة للتعبير، لافتاً إلى أن المفاهيم، شأنها شأن النصوص، لا تعيش خارج بيئتها، وإنما تكتسب معناها الحقيقي عندما تنبع من التجربة نفسها. وتتقاطع هذه الدراسة مع الدراسة السابقة في انشغالها بقضايا المسرح العربي، وإن اختلف موضوع كل منهما.
أما في "آفاق مسرحية"، فقد ضم العدد ثلاث دراسات تناولت موضوعات مختلفة، لكنها التقت عند تطوير أدوات العمل المسرحي. فكتب الدكتور فاضل الجاف عن تدريس مادة الحركة وتأهيل الممثل جسدياً في المعاهد المسرحية العليا، مؤكداً أهمية هذا الجانب في تكوين الممثل، بينما تناول الدكتور راشد مصطفى بخيت الشخصيات النمطية بوصفها حاضنة للكوميديا في المسرح السوداني، مستعرضاً عدداً من النماذج التي رسخت حضورها في هذا اللون المسرحي. كما كتب الباحث عباس منعثر عن الشخصيات المتناقضة في العنوان التراثي عند المخرج المسرحي العراقي قاسم محمد، متوقفاً عند جانب من تجربته الإخراجية، وكيف استطاع توظيف التراث في بناء رؤية مسرحية ذات خصوصية. وجاءت هذه الدراسات لتفتح أكثر من نافذة على قضايا التكوين، والتمثيل، والإخراج، في تنوع يعكس اتساع دائرة الاهتمام التي تحرص المجلة على تقديمها لقرائها.
وفي باب "وجوه"، أفرد العدد مساحة للمخرج المسرحي التونسي الفاضل الجعايبي، الذي يعد واحداً من أبرز الأسماء في المسرح العربي، حيث تناولت الدراسة رؤيته للمسرح باعتباره فضاءً للمواجهة وكشف الأسئلة الكبرى التي يعيشها المجتمع، كما توقفت عند أبرز محطات تجربته الفنية. ولم يبتعد الباب عن التجربة التونسية، إذ كتبت منية كواش عن الفنانة فاطمة بن سعيدان، مقدمة قراءة في مسيرتها المسرحية والسينمائية، وما حققته من حضور لافت على خشبة المسرح وأمام الكاميرا، متوقفة عند خصوصية أدائها، وما منح أعمالها من تميز على امتداد سنوات طويلة. وجاءت المادتان لتؤكدا أن المجلة لا تكتفي بقراءة النصوص والعروض، وإنما تواصل أيضاً الاحتفاء بالتجارب التي أسهمت في تشكيل ملامح المسرح العربي المعاصر.
أما في باب "عروض مسرحية"، فقد واصل العدد اهتمامه بقراءة العروض العربية، فكتب الدكتور جبار خماط حسن عن مسرحية "الهاربات"، متوقفاً عند طبيعة الكتابة الأدائية في العرض، وكيف استطاع أن يبني فضاءه المسرحي انطلاقاً من عالم “أحلام السيدة العجوز”، بينما تناول خالد الرويعي العلاقة بين السينوغرافيا والإخراج في عرضي "حب بطعم الشوكولا" و”الظل الأخير”، مبيناً أثر هذا التشابك في بناء الصورة المسرحية وتكوين الدلالة داخل العرض. كما كتب الدكتور أحمد بلخيري عن مسرحية "خلاف"، التي رأى فيها محاولة للتخلص من كوابيس الواقع والانعتاق من انكسارات الأحلام، من خلال معالجة مسرحية تفتح أكثر من مستوى للقراءة.
وجاءت هذه القراءات لتؤكد استمرار الاهتمام بالعرض المسرحي بوصفه مساحة تتكامل فيها عناصر النص، والتمثيل، والإخراج، والسينوغرافيا، بحيث لا ينفصل أي عنصر عن الآخر، وهو ما بدا واضحاً في أكثر من قراءة تضمنها هذا الباب.
وضمن باب "كتاب المسرح"، تنوعت الموضوعات بين الدراسات الفكرية والقراءات النقدية، فكتب الدكتور قاسم بياتلي عن المسرح الهندي الكلاسيكي في إطار العلاقة بين الشرق والغرب، متوقفاً عند بعض تطبيقاته ونظرياته، فيما تناول الدكتور حيدر علي الأسدي المقاومة الثقافية وتمثلاتها في مسرحية “99% " لبرتولد بريخت، مقدماً قراءة تربط النص بسياقه الفكري والثقافي.
كما كتب عبد الحكيم مرزوق عن فاعلية المسرح في التجربة السورية، مؤكداً أن المسرح لا يحقق حضوره إلا بجمهوره، وهو موضوع يلتقي، بصورة أو بأخرى، مع الدراسة التي افتتح بها العدد باب “سؤال المسرح”، الأمر الذي يمنح القارئ إحساساً بأن كثيراً من مواد هذا العدد تتحاور فيما بينها، وإن اختلفت زوايا النظر إليها. وكتبت الدكتورة صفاء البيلي عن نص “ليالي قرطبة”، متوقفة عند البناء التراجيدي فيه، فيما تناول وجيه حسن كتاب "من مقعد المتفرج" لفرحان بلبل، الذي يضم مجموعة من المقالات والدراسات حول المسرح السوري، وما شهده من تحولات خلال العقود الماضية. ويستمر هذا الباب في تقديم قراءات تجمع بين الفكر المسرحي والإصدارات الجديدة، بما يفتح المجال أمام القارئ للاطلاع على تجارب نقدية متنوعة.
وفي باب "ذاكرة”، استعاد العدد عدداً من الشخصيات التي كان لها حضورها في تاريخ المسرح، فكتبت أميرة الشناوي كيوان عن الكاتب الكويتي عبد العزيز السريع، مستعرضة جانباً من مسيرته الطويلة وما قدمه للمسرح الكويتي والخليجي، كما تناول الدكتور علاء الترتير تجربة المسرحي الفلسطيني عادل الترتير، الذي ارتبط اسمه بالمسرح التحرري، فيما كتب إياد حامد عن المخرج المسرحي والسينمائي السويدي إنغمار بيرغمان، متوقفاً عند تجربته التي ما تزال تشكل مرجعاً مهماً في المسرح والسينما، بما حملته من رؤى فنية وإنسانية تركت أثرها في أجيال متعاقبة من المسرحيين.
ولم يغب النص المسرحي عن هذا العدد، إذ اختتمت المجلة صفحاتها بنشر المسرحية القصيرة “اللعبة” للكاتب السوداني عادل سعد يوسف، في استمرار لنهجها الذي يجمع بين الدراسات النقدية والنصوص الإبداعية، ويمنح القارئ فرصة للتنقل بين القراءة النظرية والنص المسرحي في إصدار واحد.
ولعل ما يلفت في هذا العدد أن موضوعات الذكاء الاصطناعي، والجمهور، والمفهوم المسرحي، لم تأت بوصفها ملفات مستقلة، وإنما حضرت في أكثر من مادة، وبصيغ مختلفة، وكأنها تشكل الهاجس الذي يشغل المسرحيين اليوم. ففي الوقت الذي انشغل فيه المفتتح بالإبداع وحقوق الملكية الفكرية، كانت أزمة التلقي حاضرة في “سؤال المسرح”، وعادت فكرة الجمهور لتطل من جديد في باب “كتاب المسرح”، فيما انشغلت دراسات أخرى بتجديد أدوات العرض، والبحث عن صيغ جديدة للتعبير، وهو ما منح العدد قدراً من الترابط بين موضوعاته، رغم تنوعها.
ويبدو أن العدد السابع والأربعين يواصل النهج الذي عرفت به مجلة "المسرح العربي" في السنوات الأخيرة، من خلال الجمع بين الدراسة الفكرية، والقراءة النقدية، ومتابعة التجارب المسرحية العربية، دون أن يغفل الاحتفاء بالشخصيات التي صنعت ذاكرة المسرح، أو إفساح المجال للنصوص الإبداعية. وربما تكمن أهمية هذا العدد في أنه لا يكتفي برصد الحركة المسرحية، وإنما يذهب إلى ما وراء ذلك، حين يفتح باب النقاش أمام أسئلة تتصل بمستقبل المسرح، وبقدرته على مواكبة التحولات المتسارعة التي يعيشها العالم، وهي أسئلة تبدو اليوم أكثر حضوراً من أي وقت مضى، وتؤكد أن المسرح، رغم كل ما يواجهه من تحديات، ما يزال قادراً على تجديد أدواته، والدخول في حوار متواصل مع الإنسان وقضاياه.
 
2023 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون