جوليا قصّار...المكرمة في مهرجان المونودراما 4: مسيرة صنعتها الاختيارات الصعبة.
2026 ,21 تموز
الفنانة جوليا قصار - لبنان
صوت العرب:الاردن.
خلال فعاليات مهرجان المسرح العربي السادس عشر في القاهرة، تابعت الفنانة اللبنانية جوليا قصّار في عرضها المسرحي «بيكنك على خطوط التماس». يومها قدمت رؤيتها الإخراجية  بعيدًا عن الإبهار البصري أو الحلول الإخراجية المفتعلة. حيث تعاملت مع خشبة المسرح بوصفها فضاءً مفتوحًا للحوار الإنساني، وقامت بتوظيف أداء وحركة الممثلين، والحوارات والصمت،والسينوغرافيا ،وبقية عناصر العرض، بذكاء مزج مابين البعد الجمالي والفكري، تاركة مساحة للمتلقي  للتاويل ،بعيدا عن المباشرة ،في عمل ينتمي للكوميديا السوداء، ومرتبط بالذاكرة اللبنانية عن الحرب، بقسوتها وعبثيتها،وبسخرية سياسية واجتماعية موجعة.
و تحل جوليا قصّار ضيفة على مهرجان المونودراما الرابع، الذي تديره الفنانة عبير عيسى، حيث تُكرَّم تقديرًا لمسيرة فنية وثقافية امتدت قرابة أربعة عقود، كرّست خلالها حضورها في المسرح والسينما والتلفزيون، من دون أن تحيد يومًا عن الخيارات التي آمنت بها.
لم تعرف جوليا قصّار طريق النجومية السهلة، ولم تسعَ إلى الانتشار بأي ثمن. فمنذ بداياتها، اختارت أن تبني مشروعًا فنيًا يقوم على المعرفة والالتزام، وأن يكون معيارها جودة العمل، لا كثرة الأعمال. ولهذا لم يكن مستغربًا أن تحجز لنفسها مكانة متقدمة بين أبرز ممثلات المسرح العربي.
عززت موهبتها بالدراسة،، فقد تخرجت في معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية، ونالت دبلوم الدراسات العليا في التمثيل، ثم درجة الماجستير في الفنون السمعية البصرية والمسرحية، قبل أن تنخرط في العمل الأكاديمي أستاذة في الجامعة اللبنانية، وتتولى لاحقًا رئاسة قسم المسرح، إلى جانب نشاطها النقابي، في تأكيد لإيمانها بأن الفن رسالة معرفية ومجتمعية، وليس مجرد ممارسة مهنية.
المسرح:
ورغم حضورها اللافت في السينما والتلفزيون، بقي المسرح فضاءها الأول، حيث تعاونت مع عدد من أبرز المخرجين، وقدمت أعمالًا تنتمي إلى المسرح الجاد، الذي يطرح أسئلة الإنسان والحرية والذاكرة. ولم يكن غريبًا أن تشكل مسرحية «الديكتاتور» محطة بارزة في مسيرتها، بعد فوزها بجائزة الشيخ سلطان بن محمد القاسمي لأفضل عرض مسرحي عربي عام 2013.
السينما:
وفي السينما، انحازت إلى أفلام المؤلف، فحققت حضورًا لافتًا في أعمال مثل «زنار النار»، و«شتي يا دني»، و«محبس»، و«ربيع – ترامونتان»، الذي اختير للمشاركة في أسبوع النقاد بمهرجان كان السينمائي، ونالت عن دورها فيه جائزة «المهر الطويل» لأفضل ممثلة في مهرجان دبي السينمائي الدولي. كما شاركت في أفلام مهمة، منها «قضية رقم 23» للمخرج زياد الدويري، والفيلم القصير «Beirut, After Shave» الفائز بجائزة «سيزار» الفرنسية.
ولم يقتصر حضورها على التمثيل، فقد شاركت في مهرجانات عربية ودولية عضوًا في لجان التحكيم، وقدمت برامج ثقافية على شاشات لبنانية وعربية، في امتداد طبيعي لشخصيتها التي تجمع بين الفنانة والأكاديمية.
التلفزيون.
أما في التلفزيون، فقد اختارت أيضًا الأعمال التي تضيف إلى تجربتها، فظهرت في مسلسلات مثل «الشحرورة»، و«عرابة بيروت»، و«بالدم»، محافظة على نهجها في تقديم الشخصيات المركبة، بعيدًا عن الاستسهال أو التكرار.
وجوه متعددة... ورؤية فنية واعية.
وما يميز جوليا قصّار أنها لا تعتمد على الأداء الصاخب، بل على التفاصيل الدقيقة؛ نظرة، وصمت، وإيقاع جملة، وحركة محسوبة، وهو ما منحها خصوصية جعلتها من الممثلات اللواتي يتركن أثرًا حتى في الأدوار المحدودة.
وقد تُوِّج هذا المسار بسلسلة طويلة من الجوائز والتكريمات العربية والدولية، كان أحدثها جائزتا «الموريكس دور» عامي 2024 و2025، إلى جانب تكريمات أكاديمية وثقافية عديدة، في تقدير لمسيرة ظل معيارها الأول جودة العمل، لا عدد الأعمال.
 
تكريم جوليا قصّار في مهرجان المونودراما ليس احتفاءً بممثلة متميزة فحسب، بل بفنانة اختارت أن تجعل من الثقافة والمعرفة ركيزة لمشروعها، وأن يبقى المسرح مرجعيتها الأولى، حتى وهي تحقق نجاحاتها في السينما والتلفزيون. وربما لهذا السبب بقي اسمها حاضرًا باحترام في الذاكرة الثقافية العربية؛ لأن ما صنع تجربتها لم يكن الحظ، بل سلسلة من الاختيارات الصعبة التي بقيت وفية لها منذ بداياتها وحتى اليوم.
 
2023 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون