قمر الصفدي...شخصية مهرجان المونودراما 4 : سيدة الحضور الهادئ وذاكرة الفن الأردني.
2026 ,16 تموز
صوت العرب:الاردن.
قمر المسرح الأردني الفنانة "قمر الصفدي" ،أيقونة الإبداع شخصية المهرجان لهذا العام في الدورة الرابعة لمهرجان المونودراما الذي تديره الفنانة "عبير عيسى "،والذي يقام خلال الفترة من 26/7 إلى 1 / 8 / 2026،على مسارح المركز الثقافي الملكي، المملكة الأردنية الهاشمية.
ثمة فنانون لا تُختزل قيمتهم في عدد الأعمال التي قدموها، بل في الأثر الذي تركوه في وجدان الناس، وفي قدرتهم على أن يكونوا جزءاً من ذاكرة وطن. ومن هؤلاء الفنانة الأردنية قمر الصفدي، التي ارتبط اسمها بمراحل التأسيس الأولى للحركة الدرامية في الأردن، وظلت على امتداد أكثر من ستة عقود حاضرةً بهدوئها، وثقافتها، وإيمانها بأن الفن رسالة قبل أن يكون مهنة.
بدأت رحلتها من الإذاعة في ستينيات القرن الماضي، يوم كان الميكروفون هو المدرسة الأولى للممثل، وهناك تعلمت أن تبني الشخصية بالصوت وحده، وأن تمنح الكلمة إحساسها الحقيقي قبل أن تمنحها نبرتها. لم تكن الإذاعة بالنسبة إليها محطة عابرة، بل كانت المكان الذي صقل أدواتها الفنية، ورسخ لديها الانضباط والالتزام واحترام النص، وهي القيم التي حملتها معها لاحقاً إلى المسرح والتلفزيون.
ومع انطلاق التلفزيون الأردني، كانت قمر الصفدي من أوائل الوجوه التي شاركت في صناعة الدراما المحلية، فشهدت مرحلة التأسيس بكل ما حملته من تحديات وإمكانات محدودة وطموحات كبيرة. لم يكن الفنانون يومها يبحثون عن الشهرة، بقدر ما كانوا يشعرون أنهم يؤسسون لمشهد ثقافي جديد، وأن نجاح أي عمل هو نجاح للفكرة التي تجمعهم جميعاً. لذلك جاءت تجربتها امتداداً لروح جيل كامل آمن بأن بناء الدراما الأردنية مسؤولية جماعية.
تنقلت بين الأعمال الاجتماعية والتاريخية والبدوية، ولم تنحز إلى نوع واحد من الشخصيات. كانت تمتلك قدرة لافتة على الاقتراب من الإنسان في تفاصيله اليومية، فتؤدي دور الأم، أو المرأة المكافحة، أو الشخصية التاريخية، بالصدق نفسه، ومن دون افتعال أو مبالغة. لم تكن بحاجة إلى انفعالات كبيرة كي تقنع المشاهد؛ كانت النظرة الهادئة، وتلوين الصوت، والإحساس الداخلي بالشخصية، أدواتها الأساسية في الأداء.
وفي المسرح، وجدت فضاءً آخر لاختبار أدواتها الفنية، فبقيت وفيةً لخشبته، مؤمنةً بأنه المدرسة التي تمنح الفنان قدرته على المواجهة المباشرة مع الجمهور، وتصقل حضوره وثقته بنفسه. أما في الإذاعة، فقد واصلت حضورها عبر عشرات التمثيليات والبرامج، مؤكدة أن الكلمة المسموعة لا تقل تأثيراً عن الصورة.
ولعل أكثر ما رسخ اسمها في الذاكرة العربية كان عطاؤها في مجال الأداء الصوتي والدبلجة. فقد امتلكت صوتاً دافئاً، واضحاً، وقادراً على التعبير عن أدق الانفعالات، الأمر الذي جعلها من أبرز الأصوات الأردنية في هذا المجال، فشاركت في دبلجة عدد من الأعمال الكرتونية التي بقيت حاضرة في ذاكرة أجيال عربية، وكان صوتها جزءاً من طفولة كثيرين، تماماً كما كان وجهها جزءاً من تاريخ الشاشة الأردنية.
تميزت قمر الصفدي بأسلوب أداء يقوم على البساطة والاقتصاد في التعبير. كانت تؤمن بأن الممثل لا يرفع صوته كي يصل إلى الجمهور، بل يقترب من الحقيقة الإنسانية للشخصية. ولهذا بدت معظم أدوارها طبيعية، مقنعة، وقريبة من الناس، حتى في الأعمال التاريخية التي تتطلب لغة مختلفة وإيقاعاً خاصاً. وقد ساعدها تكوينها الإذاعي المبكر على امتلاك ناصية اللغة، وحسن الإلقاء، ودقة مخارج الحروف، من دون أن تفقد عفوية الأداء.
وعلى امتداد مسيرتها، تعاونت مع نخبة من رواد الدراما الأردنية، وأسهمت في ترسيخ حضور الفنان الأردني عربياً، وظلت مثالاً للفنانة التي فضلت احترام المهنة على ملاحقة الأضواء. واليوم، لا يُنظر إلى قمر الصفدي بوصفها واحدة من الفنانات الرائدات فحسب، بل باعتبارها شاهدة على ولادة الدراما الأردنية، وصوتاً من أصواتها الأصيلة، ووجهاً ظل وفياً للفن، فاستحق أن يبقى حاضراً في الذاكرة، تماماً كما بقي حاضراً في قلوب جمهوره.
2023 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون