وسام كنعان: صوت العرب -دمشق - سوريا.
لم يكن يعرف ماهر جاموس أن صدمته الأولى كانت لوحة غرافيتي على جدار المدرسة الابتدائية، وأن الضربة الموجعة الثانية كانت مجرد مقعد في مسابقة للرسم، أما الثالثة فقد كانت ثابتة باسم لم يعد اسمه، لكنه أخبرنا لاحقاً أنه ربما سيندم طيلة حياته على تغييره!
في كل مرّة كان يظن أنه يودّع شيئاً، لكن في الحقيقة كان يقترب من شيء آخر. كأن حياته، منذ الطفولة، كانت بمثابة نموذج صريح على أنه مسيّر ليس مخيّراً. وأن قدره، بما فيه من خيبات طفولية متلاحقة، هو من يسلك طريقاً يعرفه جيداً، دون أن يدرك ماهر نفسه تعرّجات وتخاريج ذلك الطريق. حياة تدفعه بهدوء حيناً، وبقسوة أحياناً كثيرة، نحو المكان الذي سيجد فيه نفسه لاحقاً.
كان يمكن له أن يكبر ليصبح فناناً تشكيلياً أو مهندساً، كما روى لنا مرة. أو كما كان يجيب على السؤال التقليدي المكرر الذي كان يُرمى بوجه كل أطفال سوريا: «ماذا تريد أن تصبح حين تكبر؟».
لم تكن إجابته استثنائية قياساً بمواطنه الراحل إياد شاهين، الذي أجاب على هذا السؤال بجملة شعرية آسرة في ديوانه «كورتاج» قال فيها : أريد أن أصبح عجوزاً!
لكنّه تمايز عن إجابات رفاقه الأطباء وفق أحلامهم الطريّة آنذاك، متكئاً على موهبته الأولى بالرسم، وكان يحظى بما يكفي من المديح ليصدّق أن مستقبله مرسوم بالألوان، وبأنه سيصبح مهندساً إن لم يكن فناناً.
لكنه احتاج إلى حادثتين عابرتين، كما تبدوان عليه الآن، ساحقتين كما تركتا أثرهما بطفل ندي، لكي يطوي الصفحة ويسلّم حلمه للأبد.
مرة بسبب خطئه الصغير حين رسم على جدار مدرسته، ولم يستطع أن يمحوه، فعنّفته المعلمة على طريقة البعث والطلائع المعدّة سلفاً لكسر خاطر الأطفال. ومرة في مسابقة رسم وصل إليها متأخراً قليلاً مع صديقه، فأجلسهما الأستاذ على الأرض، لكنه انتبه إلى اسم أحدهما وكان ابن الرسام الشهير علي فرزات، فنقله الأستاذ من الأرض إلى المقعد المخصص له، وبقي ماهر وحيداً يفترش الأرض، مطوّقاً بحسرته وفهمه المبكر بأنه يعيش في مزرعة تسودها قوانين الغاب وليس في بلد.
هكذا، اعتزل الرسم وهو في أوج تألقه، على حدّ تعبيره الساخر. ولم يكن يعرف أن الطفل الذي خسر مقعداً في مسابقة رسم، سيجلس بعد سنوات خلف الكاميرا، وأن الخطوط التي عجز عن محوها من جدار مدرسته، ستقوده إلى الصورة التوثيقية على خطوط الجبهة التي حررت البلاد، وأن حكاية الطفل الذي أراد تغيير اسمه ستنتهي برجل سيمضي اسمه على عشرات الأفلام التي خرجت من روح الثورة السورية.
حتى ذاك الاسم لم يعد يسلم من تلك الرحلة الوعرة. «معاوية» هو اسمه في طفولته وقد صار، في نظر طفل صغير، سبباً لمشكلات لا يفهمها، لذا سارع بالطلب من أبيه أن يغيّره. وعندما أُتيحت له الفرصة، اختار «ماهر» بدافع طفولي لا يخلو من الطرافة.
حتماً لو كان يعرف يومها أن الاسم سيحمله أحد أفراد عائلة الأسد لتمسك باسمه الأول مهما عانى منه في مجتمع يحمل أحقاداً عمرها أكثر من 1400 عام.
هذه التفاصيل تبدو الآن كأنها حكايات عابرة من طفولة رجل ينظر لها بعين الحنين، لكنها حين توضع إلى جانب حياته اللاحقة، تبدو أشبه بإشارات مبكرة إلى ما سيأتي.
ماهر جاموس لم يدخل السينما الوثائقية من بابها التقليدي. ولم يبدأ من أكاديمية تمهّد له الطريق، ولا من صناعة مستقرة تنتظر موهبته، ولا حتى من مشروع مهني مرتب يعرف مسبقاً إلى أين سيقوده. جاءت في زمن كان لابد للكاميرا أن تكون شاهد حق على مقتلة السوريين على يد النظام البائد، زمن كثر فيه شهود الزور.
رغم ما سبقها من عمل تقني وفني خاص بالرجل، إلا أن الثورة السورية منحته الفرصة ليقاتل في الميدان، لكن بسلاح الكاميرا وبرفقة فرق منتشرة في كل المناطق السورية، ومنها صوّر بالسر في مناطق سيطرة النظام. أفلام حملت توقيعه كمنتج وأخرى كمنتج ومخرج، بعضها كان بشراكة رفيق دربه إياد شهاب، وجميعها لم تكن بالنسبة إليه مجرد أعمال مهنية تتراكم في السيرة الذاتية، بل فعل مقاومة مشروع ونبيل بوجه عصابة امتهنت القتل الممنهج عبر تاريخها الدموي، كما أنها محاولة التقاط شيء من زمن كامل قبل أن يضيع.
وجوه، أمكنة، أصوات، حكايات وأناس وجدوا أنفسهم فجأة داخل تاريخ أكبر منهم، وكان لا بد من كاميرا جريئة تلاحق هذا التاريخ، لا لتجمّله ولا لتختصره، بل لتحفظ ما استطاعت منه.
ومن الأفلام الوثائقية التي حاولت حفظ ذاكرة المرحلة: «آهات الحرية» عام 2013، و«ملائكة ثائرة» عن الأطباء والمشافي الميدانية، و«اغتيال حلب»، و«الموت في صيدنايا» عن السجن الأشهر، و«شقاء اللجوء» عن معاناة اللاجئين، إضافة إلى «على أنقاض حلم» عن الذين فقدوا منازلهم بالقصف، و«رحلة البحث عن الوطن» الذي وثّق رحلة السوريين إلى أوروبا، وفيلم «حرب الديموغرافيا»، و«روح» عن تجربة المسرح في إدلب، و«جوبر» عن الحي الدمشقي المقاوم، و«الطريق إلى دمشق» الذي تزامن إنجازه مع سقوط النظام. وقد عُرضت كل تلك الأفلام على أهم المحطات العربية، وعلى رأسها الجزيرة الوثائقية.
يؤكد ماهر أن تصوير هذه الأفلام في مناطق ساخنة كان مخاطرة حقيقية، وأن عدداً من المشاركين فيها فقدوا حياتهم، فيما اختار صناع أفلام السنوات الأولى عدم وضع أسمائهم عليها، باعتبار أن التوثيق كان بالنسبة لهم شهادة على ما يحدث أكثر من كونه عملاً سينمائياً.
لكن الشاهد الذي أمضى سنوات خلف الكاميرا، قرر هذه المرة أن ينتقل إلى مساحة أخرى من الحكاية.
فمع انتصار الثورة كان ماهر من أوائل الواصلين إلى بلاده، حاملاً معه مشروعاً واضحاً اسمه الدراما العائلية هذه المرة. أمّن إنتاجاً متماسكاً وبدأ بالبحث عن نصه الآسر.
ورغم أن الخطة كانت أن يبدأ بمسلسل قصير يليه عمل رمضاني، فإن الطريق هذه المرة سيكون مفروشاً برياء الوسط الفني السوري ومواعيد كتّابه الواهية. ولعل السيناريست يم مشهدي واحدة من القلة الذين التقطوا ماذا يريد الرجل أن يقول، فوصل معها إلى بداية اتفاق شفهي ربما يرى النور لاحقاً.
وإلى ذلك الوقت، أعلن رفقة المنتج عبدو مدخنة عن باكورة إنتاجهما بمسلسل ثلاثيني لرمضان القادم يجمع ثنائية لاهبة لواحد من كبار كتّاب الدراما في سوريا، سامر رضوان، مع المخرجة التي خبرت كيف تفرغ الشارع السوري عند عرض مسلسلاتها، وهي رشا شربتجي.
أسس ماهر شركة «سور 7» وبدأ بمشوار جديد. قطعاً لم يكن يعرف أن النهايات المؤلمة في طفولته التي حيّدته عن حلمه كفنان تشكيلي أو معماري بارع لم تكن سوى بدايات أوصلته إلى ما هو عليه الآن.