هاجر سلامة:صوت العرب - القاهرة.
أحيانًا لا تحتاج الأغنية إلى أن تقول شيئًا صادمًا حتى تصدمك، ولا يحتاج الفنان إلى أن يصرخ حتى يكشف وجعًا كاملًا. يكفي أن يضعك أمام نفسك، ويقول لك بمنتهى البساطة: كفاية تمثيل إننا كويسين.
هذا تحديدًا ما فعله كايروكي في ألبومه الأخير، وما فعله محمود عزب بطريقة مختلفة تمامًا، لكنها تنتمي إلى الحالة نفسها.
كأننا أمام مرآتين لوجه واحد؛ وجه جيل كامل اعتاد أن يخفي تعبه خلف الضحك، وأن يمارس الحياة بصورة طبيعية بينما بداخله شيء آخر تمامًا.
ولو أردنا أن نتحدث عن هذه الحالة نفسيًا وفنيًا، ربما نحتاج إلى كتاب كامل.
لكن الصدمة الحقيقية بالنسبة لي كانت محمود عزب، أو «عزب شو» كما قدّمه أمير عيد في حفلته الاخيرة .
«عزب شو» لم يكن مجرد اسم برنامج؛ كان اسمًا التصق بصاحبه حتى أصبح جزءًا من هويته الفنية. محمود عزب الذي تخصص في إضحاك الجمهور، والذي ارتبطت ذكريات أجيال كاملة معه بالاسكتشات الكوميدية، والنكت، والسخرية من الواقع والحكومة، وتقليد الشخصيات العامة.
رجل كانت مهمته، ببساطة، أن يجعلنا نضحك.
ولهذا كانت المفاجأة أكبر عندما رأيناه يجسّد حالة يمكن وصفها بـ «التحرر العبثي»؛ تلك اللحظة التي يصل فيها الإنسان إلى أقصى درجات اليأس، فيسقط عنه الخوف، وتسقط معه الرغبة في الاستمرار في تمثيل أنه بخير.
وهنا تحديدًا يصبح المشهد أكثر قسوة.
لأن السؤال الذي يفرض نفسه:
ماذا لو كان الشخص الذي أمضى سنوات في إضحاكنا يعرف أكثر من غيره كيف نخفي حزننا؟
من السكون إلى التحرر
قوة أداء محمود عزب لم تكن في الرقص وحده، وإنما في التحول الجسدي الذي سبقه.
نراه أولًا جالسًا، ساكنًا، بنظرات تحمل استفهامًا ويأسًا. الجسد مغلق، والحركة محدودة، وكأن الشخصية تحمل فوق جسدها سنوات من الإرهاق.
ثم يبدأ التحول.
لا يتحول فجأة إلى شخص سعيد، ولا تتحول ملامحه إلى ابتسامة تقليدية، ولا نشاهد «فرحة» بالمعنى المعتاد.
على العكس تمامًا.
الجسد هو الذي يبدأ في التحرر بينما الوجه يحتفظ تقريبًا بالحالة الشعورية نفسها.
وهنا تكمن عبقرية الأداء.
الحركة تصبح عفوية، واسعة، وغير مرتبطة بوجود شريك. لا نحتاج إلى شخص آخر كي تكتمل الرقصة، لأن الشخصية نفسها أصبحت عالمها الوحيد.
حركات فردية جدًا، وكأنها تعكس حالة إنسان وصل إلى أقصى درجات الوحدة، لكنه لم يعد يقاومها.
إنه لا يرقص لأنه سعيد.
إنه يرقص لأنه لم يعد لديه ما يخسره.
وهذا فارق ضخم في الأداء.
الوجه الذي رفض أن يفرح
ربما أكثر ما لفتني هو أن وجه محمود لم يذهب إلى المكان المتوقع. لم تتحول ملامحه إلى فرح كامل، ولم نرَ ابتسامة شخص انتصر أو تخلص من ألمه.
ظل هناك شيء ثابت في الوجه.
شيء يقول إن الألم لم يختفِ.
لكن العلاقة معه تغيرت.
وهنا يصبح الجسد أكثر صدقًا من الحوار.
الجسد يقول: «أنا تحررت».
والوجه يقول: «أنا ما زلت أعرف حجم ما حدث».
وهذا التناقض هو الذي منح المشهد ثقله.
لأن التحرر هنا ليس تحررًا سعيدًا، وإنما تحررًا يأتي بعد الاستسلام الكامل للحقيقة.
محمود عزب.. الرجل الذي كان يضحكنا
وربما لهذا السبب تحديدًا كان اختيار محمود عزب مؤثرًا.
لو قدم هذه الحالة ممثل معروف بأدواره الدرامية الثقيلة، ربما كنا سنستقبلها باعتبارها أداءً جيدًا.
لكن أن يقدمها شخص ارتبط في وجدان الجمهور بالضحك، فهنا يحدث شيء مختلف.
نحن لا نشاهد محمود عزب فقط.
نحن نشاهد ذاكرتنا معه.
نشاهد الرجل الذي كان يدخل حياتنا ليجعلنا نضحك، ثم نراه الآن وكأنه يقول لنا إن الضحك نفسه ربما كان إحدى طرق النجاة.
وهنا تتقاطع تجربته مع حالة كايروكي في الألبوم الأخير.
كلاهما يضعنا أمام السؤال نفسه:
إلى متى سنستمر في لعب دور الشخص الذي يقول «أنا كويس»؟
استطاع عزب أن يمنح هذه التساؤلات والحالات الإنسانية التي يطرحها الألبوم حضورًا بصريًا يوازي حضورها الموسيقي، فالحب، والفراق، والوحدة، والنسيان، وما بينها من مناطق شعورية ملتبسة، لم تعد مجرد موضوعات تعبر عنها الكلمات، وإنما تحولت في ظهوره على الشاشة إلى حالات محسوسة لها ملامحها وارتباكها وثقلها الإنساني.
واللافت في أداء عزب أنه لا يبدو منفصلًا عن أي أغنية بعينها، بل وكأنه جزء أصيل من العالم الشعوري للألبوم كله. ويمكنك، ببساطة، أن تقتطع أي مشهد من ظهوره في الكليب وتضعه مرفقأً لأي أغنية من أغاني الألبوم، دون أن تشعر بأن الصورة دخيلة على الأغنية أو مصممة خصيصًا لمشهد آخر. وهنا تكمن واحدة من نقاط قوة التجربة؛ إذ نجح عزب في تقديم شخصية بصرية مفتوحة على أكثر من حكاية وأكثر من وجع، بحيث يصبح حضوره امتدادًا للحالة العامة التي صنعها الألبوم، لا مجرد أداء مصاحب لها.
التفاصيل التي لا تأتي مصادفة
وهذا تحديدًا ليس غريب على محمود عزب.
أنا اشتغلت معاه أكثر من مرة، عملين في المسرح واخر برنامج تليفزيوني قدم فيه محمود عزب حالات انسانية رائعة .
أدرك تماما طريقته في الشغل. محمود من النوع الذي يذاكر جيدا ، ويدقق ، ويهتم بالتفاصيل، وما عندوش استسهال في الأداء أو في أختيار الادوار .
الأهم من ذلك أنه لا يقدم شيئًا إلا إذا كان مقتنعًا به. وهذا يوضح سبب ظهوره القليل وتأثيره الكبير .
وده بالنسبة لي يفسر كثيرًا من النجاح الذي حققه تحوله الأخير في الدراما، والذي لاقى إعجاب الجمهور.
لأن الممثل الحقيقي لا يعتمد فقط على قدرته على تغيير ملامحه أو طريقة كلامه.
الممثل الحقيقي يستطيع أن يغيّر علاقة جسده بالشخصية.
وهذا ما فعله محمود.
من رجل اعتدنا أن نراه يضحكنا، إلى رجل يجعلنا نتساءل: هل كان هذا الضحك دائمًا مجرد ضحك؟
ربما لا.
وربما لا توجد إجابة واحدة.
لكن المؤكد أن محمود عزب في هذا المشهد لم يجعلنا نضحك.
جعلنا ننظر إلى الضحك نفسه، ونسأل: كم حزنًا يمكن أن يختبئ خلفه؟