صقر عليشي : شاعر السهل الممتنع.
2026 ,06 آب
 امينة عباس: صوت العرب- دمشق.
تتويجاً لاختياره شاعر الدورة العاشرة لليوم العالمي للشعر للعام 2024، أصدرت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم "الألكسو" مؤخراً كتاباً عن الشاعر السوري صقر عليشي، حمل عنوان "صقر عليشي شاعر السهل الممتنع"، بمشاركة  د. راشد عيسى ود. محمد جميعان من الأردن وأ. إياد مرشد من سورية، واحتوى الكتاب على نخبة من مختاراته الشعرية، وتصدّرته كلمة للدكتور محمد ولد أعمر، المدير العام للألكسو، جاء فيها: "يأتي هذا الإصدار بما يتضمنه من بحوث ودراسات هامة ليطلع الباحثين والنقاد والمهتمين بالتراث الأدبي على أبرز محطات ومسيرة وإبداعات شاعرنا، وأن المتأمل لهذه الدراسات يكتشف أننا أمام تجربة متميزة في الإبداع الشعري بكل مكوناته، فقد استطاع صقر عليشي أن يخلق لنفسه مساراً متميزاً، أضفى به على إنتاجه الأدبي سمة خاصة وهوية متميزة".
غواية الشعر
يستهل صقر عليشي كتابه بسيرته الذاتية تحت عنوان "غواية الشعر"، فيروي أنه ولد في بيئة فقيرة بسيطة، إلا أنها كانت تقدس الشعر وتنظر إلى الشعراء كمخلوقات خارقة، وكانوا يتداولون أسماءهم بهمس وخفوت وتبجيل، وينشدون أشعارهم بزهور وجلال، لذلك كان الشعر رفيقه، ولم يحدث يوماً أنه كان قوياً بحيث يرد للشعر طلبه مهما حاول: "لم أكن أبداً إلا ضعيفاً أمام قامته السامقة المهيبة، أمام كناياته البضة الناهدة. لم أفعل يوماً بالكلام في حضرته دون أن أتعلم".
مفاتيح الإبداع الشعري
رأى الناقد السوري إياد مرشد في مشاركته أن تجربة صقر عليشي، بما فيها من خصوصية وما تكتنزه من دقائق إبداعية، تمثل حالة نوعية في طريقة التعامل مع الإبداع الشعري بكل مكوناته من لغة وخيال وصور ومجاز، متوقفاً مرشد عند مفاتيح العملية الشعرية عنده والتي تتجسد في المفارقة التي تميز شعره وتزين نصه الشعري وتمنحه طابع الخصوصية: "المفارقة بنية تعبيرية وتصويرية متوسطة التجليات، ومتميزة بالعدول على المستويات الإيقاعية والدلالية والتركيبية، تستعمل بوصفها أسلوباً تقنياً وسيلة أسلوبية وتمنح المتلقي التلذذ الأدبي وتعميق حسه الشعري، بوساطة الكشف عن علاقة التضاد غير المهددة بين المرجعية المشتركة الحاضرة أو الغائبة والرؤية الخاصة المبدعة". مبيناً مرشد أن مقاربة المفارقة تحتاج لذكاء وفرة شعرية وخبرة عميقة باللغة ومفاتيح النص من دلالات وإشارات جلية ومخفية، وقد ارتقى عليشي من خلال ذلك بنفسه الشعري ومنحه عمقاً في المضمون وسمواً في الشكل، وهو الذي عايش تجارب كبار الشعراء في سورية والوطن العربي وتواصل مع أبناء جيله من الشعراء، لكنه آثر أن يكون لصوته صدى عميقاً ولإبداعه حضوراً مختلفاً، ساعياً لبناء قصيدة يخرج فيها من المألوف إلى غير المألوف ومن العادي إلى غير الممكن، فاراً عن عمد في قصيدته من تحت الظلال الرطبة للشعر نحو الشمس ليشبعها دفئاً وليبث فيها الروح.
بساطة تتغلب على أرسطقراطية اللغة
"لما كان الفن الشعري في المقام الأول بناءً لغوياً، تخلق فيه اللغة خلفاً جديداً، وترد إلى منابعها فإن دراسة لغة الشعر ينبغي أن تكون مطلباً أساسياً لأية محاولة تبذل لقراءة الشعر قراءة جديدة". بهذا الكلام بدأ الشاعر الأردني محمد جميعان مشاركته، متوقفاً عند السمات الأسلوبية في شعر عليشي على صعيد المفردات والتعابير اللغوية التي تتداخل في قصائد عليشي: "هي مفردات وتعابير لغوية منها ما هو شائع في الممارسات اليومية الدارجة بين الناس، حتى وإن كان بعضها منحدراً من أصل فصيح. إلا أن كثرة استخدامها في الحياة اليومية منحها الطابع الشعبي". مشيراً كذلك إلى أن البساطة في قصائده أصبحت ذات دلالة جمالية من ناحيتين: الأولى: فلسفة الشاعر في نظريته للغة، التي تتوافق مع بساطته ووضوحه في واقعه. والثانية: أن هذه البساطة تتغلب بجهوريتها على أرسطقراطية اللغة التي ينأى بها عليشي عن الفصاحة التي لا تحقق التطابق بين الواقع والمحكي عنه في القصيدة.
وحول منهج الشاعر عليشي في الشعر، بين جميعان أن له مذهباً يجري مع نهر الشعر سلساً سلسبيلاً، فلا ينشغل في شعره بالطولات إلا لما امتد به الوجد والحنين. وغير ذلك يكتفي باللفتة الشعرية والتعبيرية التي تجسد شعرية القصيدة، وهو في شعريته البسيطة يتجاوز ثنائية: الحداثة المشوهة، الغارقة في تهميمات الذات المأزومة، العارية من المعنى من جهة، ورتابة المدارس الشعرية التقليدية من جهة أخرى، لينسج من التفاصيل الصغيرة في الأشياء معاني متجددة بطاقتها التخييلية والإيجابية، فيقطف من التفاصيل الصغيرة ما هو هش وضئيل، مشكلاً منها رؤى ويفلسف جذورها وأسسها، فتنبض في معمارته الشعرية أحياءً وكائنات ناطقة بحكمة الفلسفة، فيغدو ما هو عابر سبيل في المرئيات والمدركات ثانوياً في اتساع المعنى، متقمصاً بؤرة روح المتلقي لعذوية التأويل وإدهاش المخيلة، وبما يتجسد في وعي المتلقي من فرادة البناء الشعري.
مطارد وصياد
ولأن البحث عن المعنى شغف الفنان والعالم والمفكر، وهو بحث عن الحقيقة والحكمة والغاية من هذا الوجود، كما جاء في مشاركة الناقدة المصرية د. كاميليا عبد الفتاح، فإن الشاعر برأيها حواب آفاق، يمضي حياته في بحث وراء المعنى أو الحقيقة المغزى العلة الغائبة للوجود، وقد كان هذا البحث أحد أبرز الإشكاليات الإنسانية والإبداعية التي شغلت تجربة عليشي التي لفتت انتباه الناقد والمتلقي بترددها في جنبات هذه التجربة في أكثر من صورة وكيفية فنية، لتعد عبد الفتاح ديواني عليشي -الجزء الثاني- الأكثر احتفاء بهذا الموضوع، حيث يقف ديوانه "معنى على التل" في مقدمتها. وتستطرد كاميليا لتبين أن مفردة المعنى اكتسبت في تجربة عليشي الشعرية دلالات متعددة تتعلق بحقيقة الإنسان والوجود الإنساني عامة، والحقيقة أو الحكمة، والفكرة وهي محل توق الشاعر لأنها تتحدى كل إمكانياته وطاقاته التعبيرية حتى يمكنه الوصول إليها في صورتها المجردة، المختزلة في الخيال. موضحة أن مفردة المعنى، في التجربة الشعرية لعليشي، مفردة ذات محاولات دلالية ثرية عميقة، يتصل بعضها بإشكاليات الوجود الإنساني، ويتصل بعضها الآخر بإشكاليات العملية الإبداعية: "قبل أن ترتدي ثوب اللغة قدم لنا المعنى في صورة خبيئة أو أكثر، وحلم مرتجى، كما قدم لنا ذاته في صورة مطارد وصياد لهذا المعنى". مشيرة إلى القصائد التي اشتملت على هذه الإشكالية، التي غلبت عليها شيمة الرحلة، أو المغامرة والمطاردة الرمزية: الارتقاء، التحليق، التجوال، الصعود، الحديث مع الأنا، والتي يصور فيها الشاعر رؤيته عبر الإيحاء والترميز والمجاز. وهو ما تجلى برأيها بديوانه "معنى على التل" وبعض القصائد من الدواوين الأخرى.
عميق كراهب
وصف د. راشد عيسى من الأردن - في مشاركته عليشي قائلاً: "شاعر محتشد بصمت، أشبه بصمت البراكين الخجولة، أو قل صمت البحر المحشور في قنينة أو في صخرة نارية.. هادئ، متأمل عميق كراهب". مؤكداً أنه شاعر موهوب مجدد، يمثل أحد كوكبة النجوم الشعرية التي تلامعت بعد جيل رواد المبنى الشعري المتحرك: بدر شاكر السياب ويوسف الخال ونزار قباني ونازك الملائكة وعمر أبو ريشة ومحمود درويش، هاضماً الإضافات الإبداعية السابقة لمرحلته والمجالية له في شبابه العشريني والثلاثيني والأربعيني، ومخلصاً لمبدأ البحث عن أرض شعرية صالحة لاستباب بذور فنية جديدة أو تهجين القديم منها، وساعياً إلى استصلاح البور الشعري في أراضين اللغة الحية الصبية التي تتحدى الشيخوخة وانتهاء الصلاحية، دائباً على خلق مساحات تعبيرية جديدة لم يبتذلها فلاحو الشعرية من قبله، ولا سيما في مجال إعداد الوليمة الشعرية وأسلوب تقديمها، مواجهاً القصيدة ببصيرة فنية حاذقة بنواميس الحروف ومقاصد العبارة الشعرية، وهو خال من الذهنية اليابسة والخطاب النفعي المباشر. ليكون في شعره هماس، نشاش، حداس، متناس، غساس، وجباس، ليكتب القصيدة  بحيادية شاهد رأى كل شيء بالإيماءة والتكثيف وباللغة اليومية البسيطة التي تعد ميزة فريدة في تجربته، والتي تجعل قصيدته مأنوسة في نفس المتلقي فتأتي رشيفة محبوبة بجدلية المجانسة وتقنيات التناص والتصاد، مربكاً أخلاق  الجملة الشعرية الجميلة باللذيذ من المفارقات والأحاسيس الجارحة في صدقها، الناعمة في رمزيتها. ليكون شعره خير مثال على الشعرية التي تسمو بالمتلقي إلى التطهير والروحنة الوجدانية.
 
2023 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون