أحمد قعبور.. عبورٌ فني من المسرح إلى الصوت الملتزم.
2026 ,30 آذار
دعاء مأمون:صوت العرب - الاردن.
لا أعرف متى بالضبط دخلت «أناديكم» إلى ذاكرتي. لا أتذكر أول مرة سمعتها، كأنها كانت هناك دائماً، مثل بعض الأشياء التي لا تدخل بل تُكتشف. وحين علمت برحيل أحمد قعبور في السادس والعشرين من مارس 2026، كان أول ما خطر لي ليس الخبر، بل تلك الأغنية. وهذا وحده يقول ما لا تقوله النعوات.
رحل عن إحدى وسبعين سنة، بعد صراع مع المرض لم يُذعن فيه حتى آخر لحظة. لكن قبل أن نرثيه، ينبغي أن نفهمه. لأن قعبور ظاهرةٌ لا يكفيها رثاء، بل تستحق وقفةً نقدية أمام ما أنجزه وكيف أنجزه ولماذا بقي.
وُلد أحمد محمود قعبور الرشيدي في بيروت عام 1955، لأب كان من أوائل عازفي الكمان في لبنان، ومن مؤسسي أول فرقة موسيقية في الإذاعة اللبنانية. في سن العاشرة تقريباً، كان الصبي يرافق أباه إلى الحفلات التي كان يعزف فيها خلف فريد الأطرش وشادية في بيروت. تلك الصورة — طفلٌ يجلس خلف الكواليس ويراقب كيف يتحول الصوت إلى حضور — تختزل شيئاً جوهرياً في شخصية قعبور: أنه لم يأتِ إلى الفن من الخارج، بل نشأ في دواخله. وحين تخرج عام 1978 من معهد الفنون الجميلة بالجامعة اللبنانية، لم يكن يبدأ مشواراً بل يواصل ما بدأ قبل أن يختاره.
لكن الجامعة وحدها لا تصنع فناناً ملتزماً. ما صنع قعبور كان شيئاً آخر: الانضمام إلى فرقة «الكورس الشعبي» التي جالت على معسكرات القتال وزارت الجرحى واللاجئين في سنوات الحرب الأهلية اللبنانية. حين تغني أمام جريح لا يملك سوى أن يسمعك، تفهم فجأةً لماذا الفن ليس ترفاً. وهذا الفهم — المكتسب بالتجربة لا بالنظرية — هو ما جعل صوت قعبور يختلف عن كثيرين غنّوا القضية ذاتها دون أن تصل.
وكانت «أناديكم» عام 1975 هي المحطة الأولى التي تكشّف فيها ذلك كله. لحّنها وهو في التاسعة عشرة من عمره، من كلمات الشاعر الفلسطيني توفيق زياد الذي كتبها من داخل الأرض المحتلة. وروى قعبور في مقابلات عديدة أنه أدّاها أول مرة في مستشفى ميداني في بداية الحرب الأهلية، وأنه أراد بها كفكفة دموع أبيه التي انهمرت على وقع هزيمة النكسة عام 1967. تلك التفصيلة — الأغنية كرسالة إلى الأب قبل أن تكون نشيداً للجماهير — تضع الأغنية كلها في ضوء مختلف. وقد روى الشاعر محمود درويش أنه لما سمع قعبور لأول مرة سأله: «من أي قرية أنت في فلسطين؟». حين علم أنه لبناني، لم يجد ما يقوله. تلك شهادةٌ لا تُباع.
بدأ قعبور حياته الفنية ممثلاً. ومشاركته في مسرحية «شي فاشل» عام 1983 لزياد الرحباني كانت اختباراً حقيقياً لهذه القدرة. مسرح زياد لا يرحم؛ هو فضاءٌ يشتغل في المنطقة الخطرة بين الكوميديا السوداء والسياسة واليومي المتشظي، ولا يتسامح مع ممثل يؤدي دوراً دون أن يفهم لماذا هو موجود على الخشبة. أن يختار فعبور هذا المسرح تحديداً، في تلك المرحلة تحديداً، يقول شيئاً عن طبيعة طموحه الفني: لم يكن يبحث عن الظهور بل عن المعنى. وهذه الخلفية المسرحية هي التي منحت ألحانه لاحقاً طابعها الدرامي؛ فعبور حين يلحّن لا يصوغ نغماً فحسب، بل يبني مشهداً كاملاً.
ثم هناك عالم الطفل. انضم إلى فرقة «السنابل» وأسهم في إنتاجات مسرح الدمى اللبناني، وقدّم أكثر من ثلاثمئة لحن للأطفال، من بينها أغاني مسرحيتَي «شو صار بكفر منخار» و«كلو من الزيبق». ثلاثمئة لحن. الرقم وحده يستوقف، لكن الأهم هو السؤال: لماذا؟ لماذا يُفني فنانٌ بهذا الحجم جزءاً كبيراً من طاقته في عالم الأطفال؟ أظن الإجابة في تصريح أدلى به فعبور نفسه مرةً حين قال إن الطفل هو المواطن الوحيد الذي لم يفقد بعد القدرة على التصديق. وفي هذا المعنى، كان مسرح الطفل عنده ليس هامشاً بل قلباً: المراهنة على جيل قادم بزرع الهوية في وجدانه قبل أن تلوكه السياسة وتُجفّفه.
في السينما، شارك في فيلمَي «ندم» عام 1989 و«ناجي العلي» عام 1992. وفي أدائه شخصيةَ رسام الكاريكاتير الفلسطيني الشهيد يُعد هذا الدور نقطة تحول في مسيرته التمثيلية. الاقتراب من ناجي العلي ليس كالاقتراب من شخصية عادية؛ هو رمزٌ تجاوز حدوده التاريخية وأصبح أيقونة. والفخ هنا مزدوج: إما أن تبتلع الشخصيةُ الممثلَ فيتحول إلى تمثال، وإما أن يتمرد الممثل عليها ليثبت وجوده فيُفسدها. نجح قعبور في تجنب الفخّين. وعلى صعيد الدراما التلفزيونية، مثّل في مسلسلَي «البحث عن صلاح الدين» عام 2001 و«أبو الطيب المتنبي» عام 2002، ثم جاء مسلسل «Carlos» للمخرج الفرنسي أوليفييه أساسيا حيث جسّد شخصية وديع حداد في إنتاجٍ دولي عُرض في مهرجان كان. آخر ما قدّمه على الشاشة كان مسلسل «النار بالنار» عام 2023، وكأنه أراد أن يودّع الدراما وهو لا يزال حاضراً فيها لا مُستدعى منها.
في ديسمبر 2025، وقف على خشبة حفل «قلوب تغني لحن العطاء» وهو يعلم جيداً ما يعلمه جسده. أحياناً جلس، وأحياناً وقف. لكنه غنى. ولم يكن في المشهد شيءٌ مسرحي أو مُصطنع؛ كان رجلاً يفعل الشيء الوحيد الذي عرفه دائماً حين لا يجد ما يقوله: يغني. هذا المشهد الموثّق يختصر مسيرةً بأكملها أكثر مما تختصرها أي سيرة ذاتية.
ما الذي يبقى إذن؟ يبقى صوتٌ لحّن القضية دون أن يخطب، وأضحك الأطفال دون أن يستخف بهم، ومثّل التاريخ دون أن يتحول إلى متحف. يبقى فنانٌ آمن أن الالتزام لا يعني الثقل، وأن الفن الشعبي لا يعني التسطيح. وهذا — في زمن كثُر فيه من يغنّي القضية أداءً ومن يبيع البساطة استسهالاً —  ليس أمراً عادياً.
رحل أحمد قعبور. وبقيت «أناديكم». وهذا يكفي.
2023 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون