يوسف الحمدان :صوت العرب - البحرين.
هو الإداري الرحب الذي تسلم مهام الرئاسة التنفيذية بوزارة الإعلام البحرينية إبان تسعينيات القرن الماضي وفتح أبواب العمل الدرامي والثقافي على مصاريعها لكل المعنيين من البحرينيين ،والذي على ضوئه حازت البحرين مكانة وحظوة مميزتين على الصعد المحلية والخليجية والعربية ، بل ربما اعتبرها شخصيا هي حظوة ذهبية مميزة إذا ما قارنتها بما لحقها من اهتمام في هذه المجالات الإعلامية والفنية والثقافية في السنوات اللاحقة لها ..
ففي الفترة التي تولى فيها مهام الرئاسة التنفيذية بوزارة الإعلام انتعشت الدراما التلفزيونية وحازت مراكز وجوائز على مختلف المشاركات المحلية والخليجية والعربية والتي شكل من خلالها قاعدة واسعة من الجماهير المحلية والخليجية والعربية تتابع كل منتج درامي تلفزيوني تنتجه وزارة الإعلام البحرينية..
بجانب ذلك تشكلت قاعدة فنية ومهنية بحرينية اتكات على خبرتها الكثير من الفعاليات الدرامية التلفزيونية في خليجنا العربي ..
ولعل المحفز الأول لكل هذه الجهود والمنجزات السيد طارق المؤيد وزير الإعلام السابق رحمة الله عليه وغفرانه والذي بالرغم من اختلاف الكثير معه آنذاك الا أنه ظل أول صاحب بصمة حقيقية لانطلاق وتطور كل الجهود المحلية التي اتكات عليها وزارة الإعلام في مختلف مناشطها وفعالياتها..
وفي هذا الصدد لابد وأن أذكر بعض المحطات التي دفعتني لأن أكون مشاركا فاعلا في المنجز الاعلامي والدراما والثقافي إبان الفترة التي تولى فيها استاذنا الاعلامي المهني والإداري القدير خليل الذوادي، ففي عام ١٩٩٦ دعاني الغالي أبو ابراهيم ذات صبيحة إلى مكتبه بوزارة الإعلام، ولم أكن أعلم حينها ماذا يريد مني وما هو سبب الدعوة تحديدا ، وفعلا في اليوم الثاني توجهت إلى مكتبه، وهناك كانت المفاجأة بالنسبة لي ، إذ طلب مني تقديم برنامج ثقافي مصاحب لفعاليات ملتقى البابطين لأبي المقرب العيوني، فقلت له : طلبك صعب جدا استاذي العزيز فأنا ابن المسرح ولم أجرب أو أطأ أرض الدراما أو البرامج الثقافية التلفزيونية، فاجابني: انت تستطيع وقادر على تحمل هذه المسئولية، فأنت محاور ومشاكس جيد في الندوات المسرحية والثقافية ..
ضحكت وقلت له : هناك ملعبي أما الإعلام فلم أجربه من قبل ..
أصر قائلا: جرب فإني واثق بأنك تستطيع..
قلت له : سأكتفي بالاعداد ودع التقديم لغيري..
ازداد إصراره: بل ستكون المعد والمقدم وأنا كلي ثقة فيك ..
حاولت التهرب بقولي: مقدموا البرامج لهم طلة خاصة وكاريزما ويلبسون البدلات وإلى آخره..
فإذا به يغلق كل الأبواب في وجه كل اعتذارتي بقوله لأحد موظفيه: اصرف له مالا وقدره 600 دينار ليشتري ما يناسبه من البدلات والكرفيتات..
وما كان أمامي إلا أن أقبل بكل ما اقترحه علي محملا إياه وبخجل مسئولية نجاح البرنامج من فشله ..
وبعد يومين انطلقت مع المصورين والفنيين إلى فندق الخليج حيث يقيم ضيوف الملتقى..
ويا للمفاجاة ، كان الضيوف اغلبهم من الوزن الثقيل أدبيا وثقافيا وفكريا ومن كل مكان في الوطن العربي ، وأذكر منهم المفكر والموسوعي الراحل عبدالواحد لؤلؤة والمفكر الدكتور محمد الرميحي ورئيس اتحاد الكتاب العرب آنذاك عز الدين ميهوب والكاتب الكويتي أحمد الديين والمقكر الراحل الدكتور محمد جابر الأنصاري والروائي الراحل الطيب صالح والشاعر المصري محمد دوما وعدد كبير لا اذكرهم اللحظة، ومن بينهم في البحرين الراحل الصديقين الروائي عبدالله خليفة والشاعر الصديق علي خليفة وغيرهم ..
وكان المعسكر في فندق الخليج اقتضى منا ثلاثة أيام متواصلة من اول الصبح حتى آخر المساء، وأذكر أني أجريت مايقارب 30 لقاء اختزلتهم في برنامج اسميته( الثقافة تسأل ) وكان من إخراج محمد جناحي والفنان الراحل حميد مراد..
هذا البرنامج عندما قدمته أثنى علي صاحب الاقتراح استاذي العزيز خليل الذوادي كثيرا وقال كلمة لا أنساها: لقد كسبناك للبرامج الثقافية في تلفزيون البحرين فقدم ماتراه مناسبا للثقافة في التلفزيون..
وبعد فترة وجيزة أذكر أني قدمت له برنامج آخر بعنوان ( أحياء لها تاريخ ) ولم يتردد تماما في قبولها إلا أني رفضت الأجر الذي حدده لي رئيس الإنتاج انذاك الفنان قحطان القحطاني، خاصة و أنني المعد والمقدم، وكان أجرا زهيدا متى ما قورن بالأجر الذي سبقه ، رفضت الأجر وانصرفت عن البرنامج ولم أخبر الغالي بوابراهيم بذلك حتى لا أحرج معه ..
وبعد أن توالت الحقائب الجديدة لوزارة الإعلام قدمت الكثير من البرامج الثقافية في تلفزيون وإذاعة البحرين وأذكر منها وقت للثقافة والمقهى الثقافي واضاءات ثقافية وتلاوين ونسمات ثقافية وخليج الدراما وغيرها من البرامج ..
ومن المواقف الأخرى التي لا يمكن نسيانها فرحه الباذخ بفوز فيلم ( كاميرا ) تأليفي وإخراج الصديق محمد جناحي ، حيث كنت حينها عضو لجنة تحكيم بمهرجان الإذاعة والتلفزيون العربي بالقاهرة ، قسم البرامج الوثائقية ، وحينها كان أستاذنا العزيز أبو ابراهيم سفيرا للبحرين في جمهورية مصر ، حيث أذكر أنه لما أعلن فوز فيلم كاميرا بأفضل فيلم روائي قصير ، وقف أبو ابراهيم هاتفا ومصفقا بحرارة وكانت الفرحة تغمر روحه وكل محياه.. لحظة لم ولن أنساها في حياتي وهو يهنؤني بحرارة على هذا الفوز..
والشيء بالشيء يذكر ، ففي فترة توليه حقيبة السفارة البحرينية في القاهرة كان يحرص دائما على حضور عروضنا المسرحية التي كانت فرقة الصواري تقدمها في مهرجانات القاهرة الدولي للمسرح التجريبي ويشد على ازر الشباب ويحتفي بهم في بيته هناك ، فكان نعم السفير والإداري والاعلامي والإنسان ..
وأذكر أنه عندما تولى مهام الثقافة كوكيل مساعد لها في وزارة الإعلام وكان المسئول المباشر على على متابعة مهرجان اللجنة الدائمة للفرق الأهلية في دول مجلس التعاون عندما أقيم في البحرين عام 1995 ، وكان من بين المدعوين الصديق والفنان والمعلم المبدع الدكتور عوني كرومي ، طلبت منه في حينها أن يمدد إقامة كرومي في البحرين لمدة أسبوع كي ينظم لنا ورشة في التمثيل والإخراج، فما كان منه إلا أن قال لي ودون تردد : لك هذا ..
وما أكثر فرحي بذلك الرد ، وكانت فعلا من أجمل وأهم الورش المسرحية التي عشناها مع عوني رحمه الله في فسح مركز مصادر التعلم التابعة لوزارة التربية ..
وفي هذا الصدد أذكر فرحه الغامر بفوز مسرحية ( الكمامة ) لمسرح الصواري عام 1994 بمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي وكان مخرجها صديق العمر الراحل عبدالله السعداوي ، حيث احتفى بنا جميعا بالفرقة ودعانا إلى وليمة عشاء في البحرين ..
وكانت ثقته بنا كبيرة ، فقد كان يستشيرني أحيانا في بعض العروض المسرحية التي تقدمت للمشاركة في المهرجانات الخارجية وكله ثقة بما ابديه من رأي فيها ..
خليل الذوادي الذي ظل حتى هذه اللحظة مخلصا لمهنته الإعلامية والثقافية نموذجا فريدا للإنسان المهني المتمرس المتمكن العاشق للثقافة والذي لا يزال يمارس الكتابة وبحيوية فائقة في جريدة الأيام والقريب من الشأن الثقافي والاعلامي في البحرين حتى وإن شغلته أمور أخرى بحكم منصبه الرفيع في الجامعة العربية، وهو الإنسان الذي لم يتردد تماما حين وثقت تجربته الثرة في برنامجي الاذاعي ( في ذاكرة الإعلام )..
دام عطاؤك وفيضك الباذخ في كل شأن توليته أو تصديت له يا أبا ابراهيم ، وسأظل ما حييت تلميذك الأول في انطلاقتي الإعلامية الأولى..