رفيق المهاجر: صوت العرب - تونس.
مرة أخرى، تعلن وزارة الشؤون الثقافية عن إطلاق «الصالون الوطني للفنون التشكيلية» وكأنه إنجاز استراتيجي أو مكسب نوعي للمشهد الفني التونسي، في حين أنّ المتأمل في هذا المشروع لا يجد فيه سوى إعادة إنتاج مملة لتظاهرات قائمة، بلا رؤية، بلا راية، وبلا أفق مستقبلي. نحن أمام حدث يحمل اسمًا وطنيًا كبيرًا، لكنّه في العمق مشروع بلا مشروع، ومبادرة بلا مضمون ثقافي حقيقي.
السؤال الجوهري الذي يتجاهله الخطاب الرسمي عمدًا هو: ما الذي يضيفه هذا الصالون؟ وما الفرق بينه وبين شهر الفنون التشكيلية الذي ينظمه اتحاد الفنانين التشكيليين التونسيين، أو التظاهرات الدورية التي تقيمها الرابطة التونسية للفنون التشكيلية؟ من حيث الشكل، الآليات، وشروط المشاركة، لا اختلاف يُذكر. نفس منطق العروض الكلاسيكية، نفس اللجان المغلقة، نفس المعايير الغامضة، ونفس الاحتفاء الشكلي بالفن بوصفه ديكورًا ثقافيًا لا قوة تفكير ولا أداة مساءلة.
الأخطر من ذلك أن هذا «الصالون الوطني» يُقدَّم كبديل أو كخيار مركزي، في حين أنّه يفتقر إلى أي تصور استراتيجي للفنون البصرية في تونس. لا نجد فيه محورًا فكريًا واضحًا، ولا سؤالًا جماليًا راهنًا، ولا قراءة للتحولات العميقة التي يعيشها الفن المعاصر، سواء من حيث الوسائط الجديدة، أو العلاقة بين الفن والمجتمع، أو ارتباط الإبداع بقضايا الذاكرة، الهوية، الجسد، العنف الرمزي، أو التحولات الرقمية.
هو صالون بلا بوصلة، وبلا جرأة، وبلا مخاطرة. حدث يُدار بعقلية إدارية بحتة، لا بعقلية ثقافية نقدية. وكأنّ المطلوب هو ملء رزنامة الوزارة بتظاهرة إضافية، لا بناء سياسة عمومية حقيقية للفنون التشكيلية.
في المقابل، يطرح غياب أيام قرطاج للفن المعاصر سؤالًا فاضحًا لا يمكن القفز عليه. هذه التظاهرة، التي كانت تحمل مشروعًا ثقافيًا واضحًا، ورؤية منفتحة على الفضاءين الإفريقي والمتوسطي، تمّ تعطيلها وتهميشها لسنوات، لا لسبب سوى أنها كانت تزعج، وتطرح أسئلة، وتكسر منطق «الحدث الآمن». أيام قرطاج للفن المعاصر لم تكن مجرد معرض، بل منصة فكرية، فضاء نقاش، ومختبرًا حقيقيًا للتجريب والتفاعل بين الفنانين، والنقاد، والباحثين، والجمهور.
لكن يبدو أنّ داخل بعض مؤسسات وزارة الشؤون الثقافية من لا يريد مشاريع كبرى، ولا تظاهرات ذات إشعاع دولي، ولا أحداث قادرة على إعادة تموقع تونس على خارطة الفن المعاصر. هناك، بكل وضوح، مقاومة لكل ما هو نوعي، جريء، ومزعج. مقاومة لكل مشروع يتطلب تفكيرًا، تخطيطًا، ومساءلة للذات المؤسساتية.
في هذا السياق، يتحوّل الصالون الوطني إلى أداة لتكريس الرداءة المؤسسية، وإلى واجهة ناعمة تخفي عجزًا عميقًا عن صياغة سياسة ثقافية متماسكة. بل أكثر من ذلك، يعيد هذا الصالون، من حيث لا يعلن، إنتاج منطق الصالونات الكولونيالية القديمة: عرض بلا نقد، انتقاء بلا شفافية، واحتفاء شكلي بفن منزوع الدسم، منزوع الصراع، ومنزوع الأسئلة.
إنّ الفن التشكيلي التونسي، بتاريخ تجاربه المتمردة، وبثراء أجياله المختلفة، لا يحتاج إلى صالونات بلا روح، بل إلى مشروع ثقافي وطني شجاع. مشروع يعترف بتعدد الممارسات الفنية، من الرسم والنحت إلى الفن المفاهيمي، والفيديو آرت، وفنون الأداء، والتركيب، والفن الرقمي. مشروع يؤمن بدور النقد، ويمنح مساحة حقيقية للبحث، ويقطع مع منطق الريع الثقافي والمحسوبية والانتقاء المغلق.
ما يحدث اليوم ليس دعمًا للفنون التشكيلية، بل إدارة بيروقراطية للفراغ. وليس سياسة ثقافية، بل هروب واضح من الأسئلة الكبرى. وفي هذا الهروب، تتحمّل وزارة الشؤون الثقافية، وبعض مؤسساتها تحديدًا، مسؤولية تاريخية في تعطيل أي أفق لنهضة تشكيلية حقيقية.
إنّ الإصرار على هذه الصيغ البالية، في ظل تهميش التظاهرات ذات القيمة، ليس فقط فشلًا في التخطيط، بل مساهمة مباشرة في تدمير الأمل لدى الفنانين، وخاصة الأجيال الشابة، التي تبحث عن فضاءات حرة، نقدية، ومفتوحة على العالم.
الفن لا يُدار بالبلاغات ولا بالأختام. الفن يحتاج إلى رؤية، وإلى شجاعة سياسية وثقافية. وما لم تعِ الوزارة ذلك، سيظل «الصالون الوطني» مجرّد اسم كبير لحدث صغير، بلا أثر، وبلا مستقبل.