صوت العرب:تونس.
كانت ليلة الثالث عشر من أوت 2026 مختلفة في مسرح الحمامات. لم تكن مجرد سهرة غنائية تُسدل الستار على الدورة الستين لمهرجان الحمامات الدولي، ولا مجرد موعد فني يتزامن مع الاحتفال بعيد المرأة التونسية، وإنما بدت، منذ بدايتها، أقرب إلى لقاء مؤجل بين فنانة وجمهور، بين صوت وذاكرة، وبين زمن مضى وزمن ما يزال مفتوحًا على أسئلته.
اعتلت صوفية صادق الركح وهي تعرف أن الجمهور الذي أمامها ليس جمهورًا عابرًا. إنه جمهور رافق تجربتها، حفظ أغانيها، انتظر عودتها، وربما حمل معه، إلى المسرح، شيئًا من حياته الخاصة التي التصقت في لحظة ما بأغنية من أغانيها. لذلك لم يكن عليها أن تقدم نفسها من جديد. كان عليها فقط أن تفتح الباب الذي يصلها بهذا الجمهور، وأن تترك للغناء أن يفعل ما يجيده منذ البداية: أن يستدعي الذاكرة حين نعجز عن استدعائها بالكلمات.
وكانت إطلالتها جزءًا من هذا الحضور. بنفسجي لافت، وفستان بانسياب خاص، بدا تصميمه في بعض خطوطه أقرب إلى سمكة أو إلى عروس بحر، وكأن الجسد نفسه يتحول إلى امتداد بصري للبحر الذي يحتضن مسرح الحمامات. لم يكن الفستان مجرد تفصيل في الصورة، لأن صوفية صادق، وهي تدخل إلى الركح بهذا اللون وهذا التصميم، كانت تضع أمام الجمهور نصًا بصريًا آخر، يوازي النص الغنائي.
ولعل السؤال الذي طرحته على الجمهور حول البنفسجي وعلاقته بالنوفمبرية كان من أكثر لحظات السهرة إثارة للتأويل. هل هو سؤال عن اللون؟ أم عن الذاكرة؟ أم عن علاقة الجمال بالسياسة، والرمز بالواقع؟ لا يمكن أن ننسب إلى الفنانة قصدًا محددًا لم تعلن عنه، لكن المؤكد أنها تعرف كيف تفتح أبواب التأويل. تسأل الجمهور، وتتركه يبحث عن الإجابة، بينما هي تدرك جيدًا أن خيط لعبة الألوان بيدها.
فاللون، مثل الكلمة، يمكن أن يكون مباشرًا ويمكن أن يكون مشفرًا. ويمكن للفنان أن يتركه معلقًا بين أكثر من معنى. والبنفسجي هنا لم يكن بحاجة إلى أن يكون له تفسير واحد. يكفي أنه استوقف العين قبل أن تستوقفها الأغنية، وخلق سؤالًا قبل أن تبدأ الإجابة الموسيقية.
حين تغني صوفية صادق الذاكرة
تعرف صوفية صادق جيدًا كيف تحرك وجدان الجمهور بين الطرب والتذكر ومراجعة الزمن. وهذه ليست مهمة سهلة. فأن تجعل الجمهور يطرب أمر، وأن تجعله في اللحظة نفسها يستعيد مرحلة من حياته أمر آخر. أما أن تدفعه إلى مراجعة الزمن الذي عاشه، من خلال أغنية يعرفها ويحفظها، فذلك مستوى آخر من العلاقة بين الفنان والجمهور.
كانت أغانيها في هذه السهرة مختارة بدقة. لم يكن الاختيار مجرد بحث عن الأغاني الأكثر شهرة، وإنما بدا أن كل أغنية وُضعت في مكانها لتؤدي وظيفة داخل البناء العام للسهرة. من «ما نرجعشي» و«ضيعت، ومالغربة» و«يا ليل» إلى «عشقتك» و«أنا عاشقة» و«نموت عليك»، كانت الأغاني تعبر بين مراحل التجربة، لكنها في الوقت نفسه كانت تعبر بين أزمنة الجمهور.
فالأغنية القديمة لا تعود قديمة حين يستعيدها الجمهور. إنها تستعيد راهنيتها لحظة تغنى من جديد. وما إن تبدأ مقدمتها الموسيقية حتى تسبقها ذاكرة الناس إلى الكلمات. هنا تحديدًا تصبح الأغنية ملكًا مشتركًا: الفنانة تعيد أداءها، والجمهور يعيدها إليها، وكأن سنوات الغياب تختصرها لحظة واحدة.
وهذه إحدى نقاط قوة صوفية صادق: أنها تعرف أن الجمهور لا يأتي إلى الحفل ليكون مستهلكًا للغناء، بل ليكون شريكًا فيه. لذلك تركت للقاعة أن تغني، وأن تقاطعها أحيانًا، وأن تكمل عنها الجملة، وأن تستعيد معها ما حفظته منذ سنوات.
لغة مشفرة... ما وراء الأغنية
لكن السهرة لم تكن طربًا خالصًا. خلف الأغاني، وخلف بعض الكلمات التي اختارتها الفنانة، كان هناك شيء آخر يتحرك في صمت. كلمات مفاتيح بدت وكأنها موضوعة بعناية داخل السياق، لتقول ما يتجاوز الأغنية نفسها. لغة لا ترفع شعارات ولا تدخل في خطاب مباشر، وإنما تترك الإشارة تمر عبر الموسيقى، وتمنح الجمهور فرصة التقاطها وتأويلها. هكذا بدت بعض أغانيها وكأنها تعبر من الماضي إلى الحاضر، ثم تعود من الحاضر إلى الماضي، في مراجعة ضمنية لوضع البلاد وما تغير فيها وما بقي عالقًا في الذاكرة. لم يكن النقد صاخبًا، بل كان أكثر هدوءًا وأكثر ذكاءً؛ يختبئ في الكلمة، وفي ترتيب الأغنية، وفي النبرة، وفي ما تقوله الفنانة وما تتركه دون قول. وفي عمق هذه اللغة المشفرة كان الإنسان حاضرًا. الإنسان الذي لا يطلب المستحيل، وإنما يطلب ما يبدو بسيطًا في ظاهره وعميقًا في جوهره: الكرامة، والحياة، والفرح.
وهنا تكتسب الأغنية وظيفة أخرى. فهي لا تعود فقط مكانًا للحب والحنين، وإنما تصبح مساحة للتفكير في معنى الحياة نفسها، وفي حق الإنسان في أن يعيشها دون أن يفقد كرامته.
طاقة وجهد وصبر... وخامة صوتية عالية
ساعتان ونصف تقريبًا من الحضور على الركح تحتاج إلى أكثر من صوت جميل. تحتاج إلى طاقة، وإلى جهد، وإلى صبر، وإلى خبرة في إدارة المساحة والزمن والجمهور. بخامة صوتية عالية، ظلت صوفية محافظة على حضورها وهي تنتقل من نمط إلى آخر. أطربت في كل نمط، ولم يكن التنوع الموسيقي عبئًا على صوتها، بل بدا كأنه مساحة إضافية لإظهار قدرته على التلون. تغني التونسي فتبدو ابنة هذا اللون، تنتقل إلى الأغنية العربية فتتسع المساحة دون أن تضيع هويتها، تعود إلى أغانيها فتستعيد خصوصيتها، ثم تذهب إلى الذاكرة الأبعد فتثبت أن الصوت الحقيقي لا تحكمه مرحلة زمنية واحدة. والأهم أن الطاقة لم تكن منفصلة عن الإحساس. لم يكن هناك استعراض للقدرة الصوتية من أجل القدرة ذاتها، بل كان الصوت موظفًا في بناء العلاقة مع الجمهور.
جمهور الحمامات... شريك في صناعة السهرة
كان جمهور الحمامات واحدًا من عناصر نجاح السهرة. جمهور متفرد، لا يكتفي بالحضور، بل يعرف كيف يصنع من الحضور فعلًا جماعيًا. غنى حين كان الغناء مطلوبًا، وأنصت حين احتاج الصوت إلى الإنصات، واستعاد الكلمات دون أن يسلب الفنانة مساحتها. وفي هذا التوازن تحديدًا تظهر ثقافة الجمهور. لا يكتفي الجمهور الحقيقي بالتصفيق. إنه يقرأ الفنان، ويستجيب له، ويمنحه الطاقة التي يحتاج إليها ليستمر.
وصوفية صادق كانت تعرف كيف تستثمر هذه الطاقة. لم تتعامل مع الجمهور ككتلة واحدة، بل كأصوات ووجوه وذاكرات. لذلك ظل التواصل قائمًا من أول السهرة إلى آخرها.
تواصل ذكي... وإيقاع حي
كانت العلاقة مع الفرقة الموسيقية بقيادة المايسترو عبد الباسط المتسهّل جزءًا أساسيًا من نجاح العرض.
تواصل ذكي ومحكم بين الفنانة والموسيقيين. لم يكن التنفيذ آليًا ولا ميكانيكيًا. كانت هناك إشارات، وحركات، ونظرات، واستجابات سريعة، وتفاعل يجعل الموسيقى حية.
الإيقاع حي، ولذلك لم تبدُ الأغاني وكأنها فقرات منفصلة في برنامج مغلق. كانت تتحرك، تتنفس، تتغير وفق اللحظة، وتمنح الفنانة والجمهور معًا مساحة من الحرية.
وهذا النوع من التواصل لا يأتي من التدريب وحده. إنه يحتاج إلى خبرة، وإلى ثقة متبادلة بين الفنان والفرقة.
صليحة وأم كلثوم... حين تتسع الذاكرة
ومن أجمل محطات السهرة استحضار صليحة وأم كلثوم من خلال "كوكتال" خاص بكل واحدة منهما.
هنا اتسعت الذاكرة. لم تعد صوفية صادق تغني تجربتها وحدها، بل أصبحت تضع تجربتها داخل سلسلة طويلة من الأصوات التي صنعت وجدان الجمهور التونسي والعربي. تستحضر صليحة ذاكرة تونسية عميقة، وأم كلثوم تنفتح على الذاكرة العربية الأوسع. وبينهما تقف صوفية صادق، لا بوصفها نسخة من أي منهما، وإنما بوصفها صوتًا يحمل أثر هذه الذاكرة ويعيد إنتاجها بطريقته.
وهكذا أصبحت السهرة حوارًا بين أجيال من الأغنية، وبين أصوات لم تختفِ لأنها تحولت إلى ذاكرة.
لعبة الألوان... واللعب على المعنى
ربما كان البنفسجي هو الخيط البصري الذي ظل يرافق السهرة كلها. سألت صوفية صادق الجمهور عن دلالته وعلاقته بالنوفمبرية، لكنها لم تمنحه إجابة نهائية. وهذا تحديدًا ما يجعل اللعبة أجمل. هي تعرف أن خيط لعبة الألوان بيدها. تختار البنفسجي، وتترك الجمهور يسأل. تختار المشموم، فيحضر التراث دون أن تنطق باسمه. تختار فستانًا يستحضر عروس البحر، فيصبح البحر جزءًا من الصورة. ثم تختار أغنية، وتنتقي من كلماتها عبارة، فتنتقل الصورة من العين إلى الذاكرة. هنا تتقاطع الفنون: اللون يصبح لغة، واللباس يصبح علامة، والأغنية تصبح نصًا، والصوت يصبح موقفًا.
"ذاكرة تعيش"
لهذا كله، كان ختام الدورة الستين أكثر من مجرد نهاية برنامج. كان "ذاكرة تعيش" بالفعل. ذاكرة فنانة تستعيد مسيرتها، وذاكرة جمهور يستعيد زمنه، وذاكرة مهرجان يطوي دورة جديدة من تاريخه.
لكن الذاكرة هنا ليست حنينًا إلى الماضي فقط. إنها وسيلة لمراجعة الحاضر. وهذا ما جعل السهرة تتجاوز حدود الطرب. فحين تغني صوفية صادق أغانيها القديمة، لا يعود الجمهور فقط إلى ما كان، وإنما ينظر من خلاله إلى ما أصبح عليه. الماضي يصبح مرآة للحاضر، والحاضر يصبح سؤالًا مفتوحًا على المستقبل. بين البنفسجي وعلاقته المحتملة بالنوفمبرية، وبين فستان يشبه في انسيابه سمكة أو عروس بحر، وبين المشموم الذي لا يغيب، وبين الكلمات المشفرة، وبين صوت عالي الخامة وطاقة امتدت لساعتين ونصف، وبين فرقة موسيقية تعرف كيف تتحاور مع الفنانة، وبين جمهور الحمامات الذي كان شريكًا حقيقيًا في صناعة اللحظة، تشكلت سهرة لم يكن فيها شيء زائد عن الحاجة.
كان كل شيء يتحرك داخل لعبة واحدة: كيف يمكن للفن أن يجعلنا نطرب، ثم نتذكر، ثم نسأل؟ وربما هنا تكمن قيمة صوفية صادق في هذه المرحلة من تجربتها. إنها لا تكتفي بأن تغني ما نعرفه، بل تجعلنا نسمعه من جديد. لا تكتفي باستعادة الماضي، بل تدفعنا إلى مساءلته. ولا تقدم الحاضر كحقيقة مكتملة، وإنما تتركه مفتوحًا على سؤال الإنسان وحقه في الكرامة والحياة والفرح. وهكذا أسدلت الستار على الدورة الستين، لكن الستار لم يسدل على المعنى. وبقي البنفسجي، أيضًا، معلّقًا في الذاكرة. لونًا لا نعرف تمامًا ماذا أراد أن يقول، لكننا نعرف أن صوفية صادق كانت تعرف جيدًا كيف تجعله يقول الكثير.