ندوة "شخصيات عسكرية اردنية خالدة":رجال حملوا الوطن في الذاكرة والسلاح.
2026 ,31 آب
رسمي محاسنة :صوت العرب - الأردن.
لم تكن ندوة شخصيات عسكرية أردنية خالدة مجرد استعادة لسير رجال مروا في تاريخ الأردن، وإنما كانت وقفة وفاء أمام أسماء حملت أرواحها على أكفها، ودافعت عن فلسطين وسوريا والأردن، وترك أصحابها صفحات لا يمكن فصلها عن الذاكرة الوطنية والعسكرية الأردنية.
هؤلاء الرجال أبناء هذه الأرض، نشأوا في ظروف صعبة، وفي بيئة صنعت منهم رجالاً أشداء، من تلك الصحراء الأردنية التي منحتهم الجباه السمراء، وربتهم على الصبر والجلد والاعتزاز بالكرامة. رضعوا من أمهاتهم الأردنيات معاني الرجولة والشهامة والكرم، وتعلموا من بيئتهم أن الوطن ليس كلمة تقال، وإنما مسؤولية وواجب.
وكانوا يؤمنون بالأردن، وبالأرض، وبالوطن العربي الكبير، ولم تمنعهم ظروف المنطقة، ولا الخذلان الذي عرفته قضايا الأمة، من أداء واجبهم. قاتلوا في فلسطين، ودافعوا عن القدس، وخاض الجيش العربي معارك كثيرة بقيت تفاصيلها حاضرة في صفحات التاريخ. وفي سوريا، كان للواء المدرع 40 حضوره في واحدة من أكثر الجبهات حساسية، في موقع كان الإسرائيليون يطمحون من خلاله إلى الوصول نحو دمشق.
من هنا تأتي أهمية هذه الندوة التي أقامها مهرجان الفحيص - الردن تاريخ وحضارة- على منبر خالد منيزل، ندوة  «شخصيات عسكرية أردنية خالدة»، وفاء لرموز وأسماء من ميدان الشرف، اللواء الركن خالد الهجهوج المجالي، واللواء الركن كاسب صفوق الجازي، واللواء الركن عطالله غاصب السرحان ، والتي ادارها الأستاذ بكر خازر المجالي، في محاولة لاستعادة سيرة رجال لم يكونوا مجرد أسماء في السجلات العسكرية، وإنما نماذج تشكلت في الميدان، وعاشت الوطن باعتباره قضية وواجباً وانتماء.
محمود أبو وندي يستعيد ذاكرة عطالله غاصب السرحان.
اللواء الركن عطالله غاصب السرحان واحد من رجالات الجيش العربي الذين ارتبط اسمهم بمحطات مهمة في تاريخ الأردن، عرف قائداً في الميدان، وقريباً من جنوده، صلباً في المواقف، هادئاً في إدارة الأزمات، وحاضراً في لحظات الخطر. ارتبط اسمه بلواء المدرع 40، وبمواقف عسكرية بقيت شاهدة على شجاعة القائد الأردني وإيمانه بواجبه تجاه الوطن والجبهة.
وقد جاءت شهادة العميد الركن محمود أبو وندي، أحد رفاق اللواء الركن عطالله غاصب السرحان، والذي تحدث عن قائد عرفه عن قرب، وشاهد مواقفه في ظروف لم تكن تسمح بالتردد.
فالعميد الركن محمود أبو وندي واحد من أبناء المؤسسة العسكرية الذين عايشوا مراحل مهمة من تاريخ الجيش العربي، وجاءت شهادته في الندوة من موقع الشاهد الذي لم يعتمد على ما قرأه أو سمعه، وإنما استعاد أحداثاً عاشها إلى جانب قائد كان قريباً من جنوده، يعرفهم ويعاملهم بإنسانية، وخصوصاً خلال خدمته في لواء المدرع 40.
ويستعيد أبو وندي حادثة وقعت أثناء توجهه برفقة اللواء عطالله من الحصن إلى إربد، حين اعترضتهم سيارات محذرة من وجود ألغام في الطريق، ومطالبة إياهم بعدم مواصلة المسير. اضطر الاثنان إلى تغيير الطريق، وسلكا مسارات صعبة ومحروثة، حتى تمكنا من الوصول عبر بشرى وشال إلى مقر قيادة اللواء في بيت راس.
وفي واحدة من اللحظات الحاسمة، وبعد اجتماع ضم قائد اللواء وأركانه وقادة وحداته، جرى التواصل مع جلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال. وأصر اللواء عطالله على أن تصل رسالته، شفهياً وخطياً، مباشرة إلى الملك، طالباً أن تسلم إليه شخصياً وألا يطلع عليها أحد. وكلف محمود أبو وندي بنقل الرسالة، فانطلق براً وسط إغلاق الطرق، وسلك طريقاً التفافياً بدأ من أم قيس مروراً بالشونة الشمالية ومثلث دامية، تحت حماية الحرس الملكي، حتى وصل إلى قصر الحمر.وبقي أبو وندي أربع ساعات داخل مكتب الملك، قبل أن تتم صياغة الرد الملكي وتأمينه.
وفي الميدان، تعرضت قيادة اللواء لقصف بقذائف الهاون، أصيب خلاله اللواء عطالله في يده، كما أصيب أبو وندي، ونقلا إلى مستشفى أيدون. لكن المهمة لم تنتظر طويلاً، فقد صدرت الأوامر الملكية للواء عطالله بمغادرة المستشفى وتولي قيادة الفرقة 12 بعد شغور قيادتها، فغادر المستشفى وعاد إلى موقعه، مواصلاً إدارة العمليات وشؤون الجبهة.
وتكشف هذه الشهادة جانباً من شخصية قائد لم يكن يرى في القيادة امتيازاً، وإنما تكليفاً، فبقي حاضراً في أصعب اللحظات، وقاد رجاله بثبات حتى عاد الاستقرار إلى الجبهة.
وهكذا بدت شهادة العميد الركن محمود أبو وندي في الندوة أكثر من سرد لوقائع عسكرية، فقد كانت استعادة لذاكرة رجل حمل مسؤولية ثقيلة في زمن صعب، وبقي اسمه مرتبطاً برجال الجيش العربي الذين عرفوا أن الوطن في لحظات الخطر لا يحتاج إلى الكلام، وإنما إلى الرجال الذين يقفون في المكان الصحيح.
 
2023 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون