رسمي محاسنة : صوت العرب – الأردن
من الأشياء الجميلة التي يحسبها مهرجان الفحيص لنفسه، أنه لا يكتفي باستضافة الأسماء المعروفة، وإنما يترك مساحة للأصوات الجديدة، ويمنحها فرصة الوقوف أمام جمهور كبير، واختبار حضورها وقدرتها على التواصل مع الناس. وهذه المساحة التي يفتحها المهرجان أمام المواهب الشابة، يمكن أن تكون بداية مهمة في مسيرة فنان يبحث عن مكان له في المشهد الغنائي الأردني.
ومن هذه المساحة جاء عادل الداوود إلى مسرح القناطر، حاملا صوتا يمتلك مقومات الحضور، وقادرا على التعامل مع أكثر من لون غنائي، وهو ما ظهر في اختياراته خلال الأمسية، عندما تنقل بين الأغنية اللبنانية والعراقية والأردنية والتراثية، واستعاد أغنيات ارتبطت بأصوات عربية معروفة.
بدأ الداوود أمسيته بأغنية يامية هلا، ثم أخذ الجمهور إلى عالم ملحم بركات، فقدم سلم عليها، وحبيبي أنت، وأحلى حب، وخطرنا على بالك، في أداء أظهر قدرته على التعامل مع الجملة اللحنية اللبنانية، قبل أن ينتقل إلى اللون العراقي من خلال طالعة من بيت أبوها.
ثم انتقل إلى أغنيات طوني حنا، فقدم من شردلي الغزالة، ثم عاد إلى الأغنية الأردنية من خلال اللي بيحب الأردن، ليواصل بعد ذلك تنقلاته ويقدم عندك بحرية، قبل أن يستعيد من تراث فيروز دق المهابيش، وهي من الأغنيات التي لها حضور خاص في الذاكرة الشعبية.
ثم قدم ترفة وتحب الغزل، وعاد إلى اللون العراقي " فوق النا خل"، قبل أن يغني لا يا حبيب ما بنساك، ثم عايل عايل، لتتواصل الأمسية في مساحة غنائية واسعة، بدا فيها الداوود حريصا على أن يقدم نفسه من خلال اختيارات يعرفها الجمهور ويحفظها.
وفي الجزء التراثي، قدم سميت باسم الله والصبح مديت، قبل أن تأتي واحدة من أكثر لحظات الأمسية قربا من الجمهور، عندما استجاب لطلب المدرجات وغنى معهم الدحية، فتحولت المساحة أمام المسرح إلى حالة شعبية تفاعل معها الجمهور، وظهرت التشكيلات على المدرجات، في مشهد أعاد للأغنية التراثية حضورها الطبيعي في ليلة الفحيص.
بعد ذلك قدم مقطعا من أغنية عمر العبداللات شلونكي، قبل أن يختتم أمسيته بعلا علم بلادي، ليغادر المسرح بعد ليلة تنقل فيها بين ألوان غنائية متعددة، وكان واضحا خلالها أن لديه صوتا يستحق أن يجد طريقه إلى الساحة الغنائية الأردنية.
عادل الداوود يمتلك صوتا يمكن البناء عليه، ليس فقط بسبب قدرته على أداء ألوان مختلفة، وإنما بسبب حضوره وقدرته على التواصل مع الجمهور، وهي عناصر مهمة لأي فنان يريد أن يشق طريقه في المشهد الغنائي.
لكن المرحلة المقبلة تحتاج منه إلى خطوة أكثر أهمية، وهي أن يبدأ بتقديم نفسه من خلال أغنياته الخاصة. فالبقاء في مساحة الأغنيات المعروفة قد يمنح الفنان حضور اللحظة، لكن الأغنية الخاصة هي التي تصنع اسمه وتمنحه هويته الفنية.
ولهذا، فإن على الداوود أن يفكر جديا في اختيار كلمات وألحان تليق بصوته، وأن يبحث عن لون يمكن أن يكون خاصا به، مستفيدا من قدرته على التنقل بين المدارس الغنائية، ولكن من دون أن يبقى أسيرا لها.
مسرح القناطر منحه هذه الليلة فرصة مهمة، والجمهور كان حاضرا ومتفاعلا، والمهرجان فتح له الباب، وما تبقى هو أن يستثمر هذه الفرصة، وأن يحولها من أمسية جميلة إلى بداية لمشروع فني واضح.
وفي ختام الأمسية، كرم مدير مهرجان الفحيص أيمن سماوي الفنان عادل الداوود، ليكون التكريم إضافة إلى ليلة حملت الكثير من التنوع، وأكدت أن الأصوات الجديدة تحتاج إلى من يمنحها المساحة، كما تحتاج هي إلى أن تعرف كيف تحول هذه المساحة إلى حضور مستمر وأغنية خاصة تبقى في ذاكرة الجمهور.