المهندسة خلود خالد هجهوج تستحضر الوجه الآخر لـوالدها "ثعلب الدروع" في مهرجان الفحيص.
2026 ,29 آب
متابعة :رسمي محاسنة :صوت العرب – الأردن.
حين تستعيد الذاكرة الأردنية أسماء رجال ارتبطت سيرتهم بمحطات مهمة من تاريخ الوطن، فإنها لا تستحضر العسكر بوصفهم أصحاب رتب ومواقع فقط، وإنما تستعيد نماذج من الرجال الذين ساهموا في صناعة السردية الأردنية، وتركوا في مسيرة الوطن أثرًا لا يختصره سجل عسكري أو معركة. هؤلاء الذين عرفوا صرامة الميدان، وعاشوا لحظات القرار والمسؤولية، كانوا في حياتهم الخاصة آباء وأزواجًا وأبناء، لهم حكاياتهم الإنسانية التي لا تقل قيمة عن حكايات البطولة. وفي شهادة المهندسة خلود خالد هجهوج المجالي عن والدها، القائد خالد هجهوج المجالي، تتقاطع صورتان لرجل واحد؛ صورة العسكري الذي عرفته ميادين القتال، وصورة الأب الذي عرفته أسرته بالحب والاحتواء والحنان. ومن هنا تأتي هذه الشهادة، لتفتح صفحة مختلفة من ذاكرة رجل ترك أثره في الوطن والبيت معًا.
في الندوة التي أقامها مهرجان الفحيص – الأردن تاريخ وحضارة، بعنوان "شخصيات عسكرية اردنية خالدة" عن اللواء خالد هجهجو المجالي واللواء كاسب صفوق الجازي واللواء عطالله غاصب السرحان، وادارها الأستاذ بكر خازر المجالي.
في الحياة كما في الميدان... شجاعة لا تعرف القيود
المهندسة خلود خالد هجهوج المجالي، تحدثت عن والدها وقالت" أشكر القائمين على مهرجان الفحيص لإتاحة هذه الفرصة لنستذكر الرجال الرجال الذين تركوا بصمة في تاريخ الأردن، وأدوا واجبهم دون أن ينتظروا مقابلًا.
في دقائق قصيرة أود أن أستحضر معكم والدي خالد هجهوج كرجل وأب، بعيدًا عن سيرته العسكرية البراقة التي ما غابت يومًا عن ذاكرة الوطن.
من أهم ملامح خالد هجهوج الشخصية أنه كان غير تقليدي. كما في مهامه العسكرية وإدارة المعارك كان كذلك في حياته العادية.
لم يتبنَّ صفة الأب التقليدي، كان متفتحًا بشكل يثير الدهشة، ربما لأنه يكره القيود بكل أشكالها، وهذا نتيجة حياته الأولى في حرية حياة البادية والنشأة في بيت الشعر.
كان يطبق منهج التربية الحديثة قبل أن يبدأ الحديث عنها بعقود. العقاب عنده كان دائرة من الحبال نقف داخلها حتى نتوب.
الكثيرون يعرفونه كـ "ثعلب الدروع" والقائد العسكري الصارم، لكنه في الحقيقة كان إنسانًا حساسًا جدًا، ولطيفًا وحنونًا وصاحب نكتة وسريع البديهة. 
كان متذوقًا للأدب والشعر، وهذا أيضًا انعكاس للبيئة التي نشأ فيها وتربى عليها .
أغلب الذكريات لنا مع أبوي كانت خلال زيارة مناطق الأردن، من صحرائها لأحراشها وشلالاتها وأوديتها المعروفة والمخفي منها.
كان والدي مستكشفًا يحب الصيد والصحراء. جبناها معه وزرنا قصورها، عمرة والحرانة وغيرها من الآثار الصحراوية، وشاركناه في رحلات صيد الحجل والحمام والأرانب. علمنا في رحلات الصحراء كيف نتبع النجوم لنعرف الاتجاهات. خيمنا في حمامات ماعين قبل أن تُعبد الطريق إليها، وسكنا أيامًا في أحراش عجلون. (رغيف الراعي الذي كان يصنعه بيده)
لم يكن خالد هجهوج حرًا وشغوفًا وشجاعًا في دوره كمقاتل ومعلم فحسب، بل كان كذلك في حياته الشخصية، فخاض حربًا من نوع آخر في عام 1964، عندما وقع في حب شابة مسيحية شابهته قوة وشجاعة وذكاء.
قرر خالد أن يخوض حربًا لم يكن غافلًا عن تبعاتها للاقتران بها، فجوبه بالرفض من عائلتها عدة مرات، لكنه لم يقبل الهزيمة حتى أعيى إصراره الجميع، وتم الزواج في العام 1964.
قال عنها فيما كتب: "كانت لي بمثابة الملاك الخفي الذي يرافقني في كل خطوة كنت أخطوها في حياتي".
أبي كان عاطفيًا ولكنه لم يكن انفعاليًا. حكم العقل في كل المواقف، وكان متوازنًا بنظرته للحياة.
بالرغم أن تاريخه كان مثقلًا بمحطات عصيبة ودامية، كان خفيف الروح، خفيف القدم.
كتب عنه الكثيرون نثرًا وشعرًا، ولكن تبقى قصيدة وليام الصناع، رحمه الله، أجملها. بحب أشاركها معكم.
"في وداع الفارس الشجاع أبي سرحان
أبو سَرْحَانَ يَمْلَؤُنَا فَخَارا       كما ليًثٍ بِسَاحَاتِ الْقِتَالِ
لَهُ الْأَفْعَالُ إِنْ ذُكِرَتْ بِفَخْرٍ    علَيْكَ بِخَالِدٍ يَوْمَ ارْتِحَالِ
وَفِي سَفَرِ الْخُلُودِ لَدَيْهِ ذِكْرٌ   هُنَا الذِّكْرَى كَأَمْجَادِ الْخَوَالِي
عَلَيْكَ بِخَالِدٍ إِنْ شِئْتَ مَدْحًا    فَقَدْ أَرْسَى الْمَبَادِئَ بِاعْتِدَالِ
لِذَا تَبْقَى الدِّلَالُ دُونَ جَمْرٍ      فَلَيْسَ بِفَقْدِهِ طَعْمٌ لِهَالِ
فَمِثْلُكَ قُدْوَةٌ فِي صِدْقِ بَذْلٍ      لِذَا الْأَبْنَاءُ مِنْ خَيْرِ الرِّجَالِ
هُنَا الْأُرْدُنُّ لَا يَنْسَى عَظِيمًا    هُنَا التَّارِيخُ قَدْ خَطَّ الْمَعَالي
 
2023 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون