فيلم"نوار عشية": حين يولد الحلم مساءً ويموت فجرًا.
2026 ,05 كانون الثاني
د.فوزية ضيف الله:صوت العرب – تونس.
يبني فيلم "نوار عشية" سيناريو، حوار وإخراج"خديجة المكشر"،عالمًا سينمائيًا كثيفًا، تتقاطع فيه الواقعية الاجتماعية القاسية مع الفنتازيا الناعمة، في اشتغال جمالي واعٍ يسائل مصير الشباب المهمّش في الأحياء المنسية. منذ عنوانه، يعلن الفيلم أفقه الرمزي:فـ«نوار عشية» استعارة دالّة عن ضياع الشباب الحالم، ذاك الذي يولد مساءً، في أقصى العتمة، ويموت فجرًا قبل أن يكتمل الضوء.
ينطلق الفيلم من فضاء اجتماعي محدّد، هو حيّ هلال، بوصفه نموذجًا دالًا على أحياء تُركت خارج مسار التنمية والاعتراف. بنايات قصديريه، زبالة، أوساخ، فوضى عمرانية، وجوع يومي لا يحتاج إلى خطاب تفسيري. الصورة هنا لا تزيّن الواقع، بل تفضحه، وتكشف عن عنف صامت يتسرّب إلى تفاصيل الحياة.
في هذا المحيط المنكسر، تتشكّل الشخصيات كنتاج مباشر لبيئتها:أبٌ يتعاطى الخمر، شبابٌ غارق في الإدمان، ووعي جماعي مأزوم لا يرى في المستقبل سوى خيار واحد: الحرقة نحو إيطاليا. لا تُقدَّم الحرقة في الفيلم كمغامرة أو حلم رومانسي، بل كاستجابة يائسة لانسداد الأفق، وكفعل جماعي للهروب من واقع يرفض منح الحياة معناها.
وسط هذا السواد، يبرز يحيى بوصفه استثناءً هشًّا. لا لأنه نجا من شروط التهميش، بل لأنه حاول أن يعيد ترتيب ذاته داخلها. يجد يحيى منفذه في رياضة الملاكمة، حيث يتحوّل الجسد إلى لغة بديلة، وإلى مساحة أخيرة للتعبير والانضباط. قاعة الملاكمة، التي تفتح أبوابها لهؤلاء الشباب، تمثّل فضاءً مضادًا للهامش، ومكانًا مؤقتًا لإعادة بناء الثقة.
يراهن صاحب القاعة على يحيى بعد أن يلاحظ سلوكه المختلف، فيدعمه حتى يصل إلى مستوى البطولة. غير أن هذا المسار الصاعد لا يُقرأ بوصفه خلاصًا، بل كهدنة قصيرة مع واقع أقوى من كل النجاحات الفردية. فالهشاشة البنيوية لا تُمحى بالإنجاز الرياضي، بل تؤجَّل فقط.
جرح يحيى العميق يتمثّل في فقدان الأم. هذا الغياب لا يُروى دراميًا بقدر ما يُجسَّد رمزيًا عبر صورة عروس البحر التي يرسمها في بيته وترافقه في أحلامه. الفنطازيا هنا ليست هروبًا من الواقع، بل آلية نفسية للتعايش معه. الأم المتخيَّلة تتحوّل إلى وعد بالحماية، وإلى صورة خلاص مؤجَّل.
رغم نجاحه في الملاكمة، يظل حلم الحرقة يسكن يحيى. يجهّز القارب، وينخرط في الرحلة التي تبدو للجميع باب الخلاص الأخير. في عرض البحر، يختلط الوهم بالحقيقة: يرى القائد قاربًا يظنه شرطة، فيدفع بالحراقة إلى البحر. يتراجع لاحقًا بعد أن يكتشف خطأه، فيعود الجميع، باستثناء يحيى وصديقه.
هنا ينزاح الفيلم بوضوح نحو الفنطازيا. يدخل يحيى عالمًا تحت الماء، عالمًا حلميًا، تسحبه فيه عروس البحر، الأم/المنقذ المتخيَّل. غير أن هذا الخلاص لا يتحقق. فالحلم، حين يُحمَّل أكثر مما يحتمل، يتحوّل إلى فخّ.
يحيى يموت.
يمثّل هذا الموت ذروة الرؤية النوارية للفيلم. فالنوار في «نوار عشية» ليس أسلوب إضاءة أو مزاجًا بصريًا فحسب، بل اختيارًا وجوديًا وزمنيًا: زمن يولد فيه الحلم مساءً، عند أقصى درجات الانكسار، ويموت فجرًا، قبل أن يتحوّل إلى مشروع حياة.
لا يدين الفيلم شخصياته، ولا يقدّم خطابات مباشرة. بل يترك الصورة، والصمت، وتداخل الواقعي بالحلمي، تقول ما تعجز اللغة عن قوله. البحر، الذي يُفترض أن يكون معبرًا نحو الحياة، يتحوّل إلى قبر. والرياضة، التي بدت باب نجاة، تعجز عن إنقاذ صاحبها من منظومة كاملة من التهميش.
«نوار عشية» فيلم عن جيلٍ معلق بين العتمة والوهم، عن شباب يُمنح حق الحلم دون شروط تحقّقه، فيدفع حياته ثمنًا. إنه عمل سينمائي يكتب مأساة اجتماعية بلغة رمزية رصينة، ويؤكد أن الحلم، حين لا يجد أرضًا يحتضنه، قد يكون أقصر الطرق إلى الموت.
فيلم «نَوّار عشية» | Belles de nuit
فيلم تونسي جديد تكتشفوه انطلاقا من 7 جانفي في القاعات 
بطولة بحري الرحالي ، فاطمة سعيدان ، يونس مقري، الياس قادري ،معز التومي و أمير salem mr
الأغنية الرسمية للفيلم: كريم كوكي
إخراج: خديجة لمكشر 
مشاركات وجوائز دولية بعدة مهرجانات (القاهرة – أكادير)
 
2023 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون