فيلم"شجرة المساء" لعادل بكري: السينما استعادة للذاكرة وسؤال الوجود.
2026 ,02 كانون الثاني
*كافية الراجحي :صوت العرب - تونس. 
شهدت الدورة السادسة والثلاثين من أيام قرطاج السينمائية 2025 عرض فيلم "شجرة المساء" للمخرج التونسي عادل بكري ضمن برنامج بانوراما السينما التونسية، وفي حضور لافت للجمهور والنقاد، مؤكّدًا حضور السينما التونسية في واحدة من أبرز التظاهرات السينمائية العربية والأفريقية.ويقدّم الفيلم حكاية إنسانية ذات بعد تأملي، تتابع مسار شخصية عائشة التي تعود من إيطاليا إلى قريتها الحدودية حيدرة، استجابة لوعد قديم قطعته لوالدتها، وحاملة معها سند ملكية أرض تعود إلى عائلتها. هذه العودة لا تكون مجرد رحلة جغرافية، بل تتحوّل إلى مواجهة مع الذاكرة، حيث تنكشف أسرار مؤجلة منذ أكثر من أربعة عقود، ويُطرح سؤال الهوية والانتماء في سياق فردي وجماعي.
ويأتي عرض الفيلم في إطار احتفاء أيام قرطاج السينمائية بالإنتاج الوطني، حيث يوفّر برنامج بانوراما السينما التونسية منصة لعرض التجارب الجديدة ومناقشتها نقديًا. وفي هذا السياق، بدا «شجرة المساء» عملًا يراهن على سينما الذاكرة والتأمل، ويعكس توجه عادل بكري نحو طرح أسئلة كبرى حول الماضي والهوية، بعيدًا عن السرد التقليدي.
الحكاية
ينطلق الفيلم من حكاية تبدو في ظاهرها بسيطة ومباشرة، غير أنّها سرعان ما تكشف عن عمق دلالي واضح، إذ تتشكّل السردية حول شخصيات مأزومة تعيش حالة مستمرة من القلق الوجودي والبحث عن الذات في عالم مضطرب. هذه الشخصيات لا تُقدَّم بوصفها حالات فردية معزولة، بل كمرآة لتحولات اجتماعية وضغوط نفسية أوسع، تجعل التجربة الشخصية امتدادًا لواقع جماعي تتداخل فيه الذاكرة بالخذلان، والانتماء بالاغتراب. ويبتعد عادل بكري في هذا العمل عن منطق الحبكة الكلاسيكية القائمة على تصاعد الأحداث وتكثيف الصراع الدرامي، ليختار بدلًا من ذلك مسارًا سرديًا قائمًا على الإيحاء والبناء الرمزي. فالفيلم لا يسعى إلى شدّ المتلقي عبر مفاجآت درامية، بل يدعوه إلى التأمل في التفاصيل الصغيرة، وفي الصمت، وفي الفراغات التي تتركها الصورة أكثر مما يتركه الحوار. بهذا الخيار الجمالي، تتحول السينما إلى مساحة للتفكير والإنصات، لا إلى مجرد أداة للحكي.
فتُستثمر الصورة والزمن والإيقاع البطيء لبناء معنى يتشكّل تدريجيًا في ذهن المشاهد. فلا تُقدَّم الدلالات بشكل جاهز أو مباشر، بل تُترك مفتوحة على التأويل، مما يجعل المتلقي شريكًا فاعلًا في إنتاج المعنى، يملأ الفراغات السردية ويعيد تركيب الأحداث وفق تجربته وحساسيته الخاصة. وبهذا، يرسّخ العمل رؤية سينمائية ترى في المشاهدة فعلًا فكريًا وجماليًا، لا استهلاكًا سريعًا للحكاية.
العنوان
يحمل عنوان الفيلم "شجرة السماء" دلالة رمزية كثيفة، فالشجرة غالبًا ما ترمز إلى الجذور، والامتداد، والاستمرارية، بينما تحيل السماء إلى الحلم، والحرية، والمطلق. ومن خلال الجمع بين هذين العنصرين يفتح الفيلم أفقًا تأويليًا حول التوتر القائم بين التشبث بالأرض والذاكرة من جهة، والتطلع إلى الانفلات والتحرر من القيود من جهة أخرى. هكذا تصبح "شجرة السماء" استعارة بصرية عن الإنسان الذي يحاول أن يوازن بين ماضيه وما يطمح إليه.
المستوى الجمالي 
يعتمد الفيلم على لغة سينمائية هادئة ومدروسة، تتأسس على إيقاع بطيء يتيح للزمن أن يأخذ مداه الطبيعي داخل الصورة، ويمنح المشاهد فرصة التفاعل مع الحالة الشعورية للشخصيات بدل الانجراف وراء تسارع الأحداث. وتُسهم اللقطات الطويلة في ترسيخ هذا الإحساس، إذ لا تُستخدم لمجرد الاستعراض البصري، بل أداة لالتقاط التحولات الداخلية الدقيقة، والانفعالات الصامتة التي تعجز الكلمات عن التعبير عنها. كما يحظى الاهتمام بالتفاصيل اليومية بمكانة محورية، حيث تتحول الإيماءات البسيطة والأفعال المتكررة إلى علامات دالة تكشف عن عمق القلق والانتظار والحنين. ويلعب الضوء والفضاء دورًا أساسيًا في بناء المعنى البصري والدرامي للفيلم، إذ لا تُقدَّم الأمكنة خلفيات محايدة للأحداث، بل عناصر فاعلة في السرد. فالأماكن المفتوحة توحي أحيانًا بالاتساع والحرية، لكنها قد تعكس في الآن ذاته شعورًا بالتيه والوحدة، بينما تُحيل الفضاءات المغلقة إلى حالات الاختناق والانعزال والضغط النفسي. بهذا المعنى، تتحول الجغرافيا إلى امتداد مباشر للحالة النفسية للشخصيات، وتعكس توتراتها الداخلية وصراعاتها الغير معلنة.
رمزية الكتاب في فيلم
الكتاب له دلالة مركّبة تتجاوز وظيفته المادية، ليغدو عنصرًا بصريًا وفكريًا يختزل علاقة الشخصيات بالذاكرة والمعرفة والبحث عن المعنى. فالكتاب لا يُقدَّم بوصفه أداة قراءة فحسب، بل كحامل للزمن الماضي، ووسيط يربط بين ما هو شخصي وما هو جماعي، وبين التجربة الفردية وسياقها الثقافي الأوسع. ويحيل حضور الكتاب إلى فعل الاسترجاع، إذ يرتبط غالبًا بلحظات التأمل والعودة إلى الذات. فالكتاب يصبح بمثابة أرشيف صامت، تختزن صفحاته آثار الغياب والأسئلة المؤجلة، ويعكس رغبة الشخصيات في فهم ماضيها أو إعادة ترتيب علاقتها به. ويتقاطع الكتاب مع الذاكرة التي تشكّل أحد المحاور الأساسية للفيلم، حيث تتحول القراءة أو ملامسة الكتاب إلى فعل مقاومة للنسيان.
كما يرمز الكتاب إلى المعرفة بوصفها خلاصًا هشًّا، لا يقدّم إجابات نهائية بقدر ما يفتح أفق التساؤل. فالشخصيات لا تبدو في حالة يقين، بل في حالة بحث دائم، والكتاب هنا لا يُستخدم مرجع مغلق، بل كفضاء مفتوح للتأويل، يوازي المسار التأملي الذي يشتغل عليه الفيلم في بنيته السردية والبصرية.ومن زاوية أخرى، يمكن قراءة الكتاب بوصفه علامة على العزلة الداخلية، إذ يظهر غالبًا في لحظات الصمت والانفصال عن المحيط، ليعبّر عن انسحاب مؤقت من الواقع الخارجي نحو عالم داخلي 
المدرسة الواقعية
يرتبط فيلم «شجرة المساء» بالمدرسة الواقعية ارتباطًا جليًا، غير أنّ هذا الانتماء لا يقوم على محاكاة الواقع بشكل حرفي أو تسجيله بصورة مباشرة، بل يستند إلى مقاربة جمالية وفكرية أقرب إلى الواقعية الحديثة، التي تنشغل بجوهر التجربة الإنسانية أكثر من انشغالها بتفاصيل الحدث ذاته. فالواقعية في الفيلم تتبدّى أساسًا من خلال اهتمامه بالإنسان العادي، وبإيقاع حياته اليومية، وبالهواجس النفسية والاجتماعية التي تؤطر وجوده داخل واقع مألوف، بعيد عن المبالغة الدرامية أو الحبكات المصطنعة. ويتجسّد هذا التوجّه الواقعي في اختيار شخصيات تنتمي إلى الهامش الاجتماعي أو تعيش حالة من الاغتراب الداخلي، شخصيات لا تُقدَّم في صورة أبطال استثنائيين، بل أفراد عاديين مثقلين بأسئلة الوجود وضغوط الواقع اليومي. وبهذا المعنى، يلتقي الفيلم مع جوهر المدرسة الواقعية التي تسعى إلى تمثيل الواقع الاجتماعي في بساطته وتعقيده في آن واحد، مع التركيز على التناقضات الداخلية للإنسان وصراعاته الصامتة، بدل الاكتفاء بالأحداث الكبرى أو الصراعات الدرامية المفتعلة.
ويبرز هذا الانتماء الواقعي من خلال اعتماد الفيلم على أماكن تصوير طبيعية وغير مصطنعة، تُستثمر بوصفها فضاءات حقيقية للعيش والتجربة، لا مجرد خلفيات بصرية محايدة. فالمنازل، والشوارع، والفضاءات المفتوحة تُقدَّم بملامحها اليومية البسيطة وهو ما يعزّز الإحساس بالصدق، ويقرب المتلقي من العالم الذي تتحرك فيه الشخصيات. وتُعدّ هذه العناية بالمكان إحدى السمات الجوهرية للسينما الواقعية، التي تنظر إلى الفضاء باعتباره عنصرًا دلاليًا فاعلًا، يعكس البنية الاجتماعية والنفسية للشخصيات، ويسهم في تعميق فهم سياقها الإنساني.
شكّل فيلم "شجرة المساء" إضافة نوعية إلى تجربة المخرج عادل بكري، وإلى المشهد السينمائي التونسي عمومًا. فهو عمل يراهن على الصورة بوصفها لغة فكرية وشعورية، ويمنح المشاهد فرصة للتأمل في أسئلة الوجود، والذاكرة، والبحث الدائم عن الذات، في عالم تتنازعه الجذور والأحلام.
*باحثة من تونس.
2023 © جميع الحقوق محفوظة - صوت العرب للسينما والثقافة والفنون